|

سيزيف التونسي الشاعر "رياض الشرايطي":

سيزيف التونسي الشاعر "رياض الشرايطي":
سقطت الديكتاتور ولم تسقط الديكتاتورية.. والثورة لم تنصف المثقّف بعد

حاوره/ محمد ياسين رحمة

"الوجوه غيّرت وجوهها" لكن ملامح الواقع ازدادت قسوة وشحوبا، وطواحين الهواء ازدادت ارتفاعا وكل السيوف الصدئة والخشبية والبلاستيكية و..امتُشقت في معارك الكل مع الكل ولا أحد مع أحد.. المشهد الثقافي في تونس صار أشبه بحفلة تنكّرية، والكتّاب والمبدعون الذين ترصّدنا رأيهم حول "طعم التحوّل الديمقراطي ونكته"، أبدوا لونا من التشاؤم وتخوّفا كبيرا من الانزلاق إلى منطقة الفوضى المفتوحة على المجهول.. هو حوار مع واحد من شعراء تونس المتميزين وصاحب الفتوحات الشعرية عبر أزمنة تونس المختلفة، هرّب صوته من زمن إلى زمن و"دحرج" مأساته السيزيفية وفي الوقت الذي اعتقد أن الحلم قد صار حقيقة وآن أوان الإعلان عن ميلاد الزمن الجميل، فاجأنا الشاعر رياض الشرايطي ببيان يستصرخ "طلبا للنجدة"..

سؤال: السؤال صار كلاسيكيا تجتره الحوارات.. ولكنه بوابة رئيسية لاقتحام عوالمك، فمن هو "رياض الشرايطي"؟

الشاعر: رياض الشرايطي إنسان يحبو على حصير الكلمة و يبحث له على حرف يتبنّاه ، يطلقون عليّ لقب شاعر وما أنا سوى مجرّب بسيط و مبتدأ، لي من الإصدارات ، "مواقيت" ، "جاءت لتقول" ، "لا أحد كان خارجي" و "نوافذ الملح" ، متحصّل على شهادة في العلوم القانونية من كليّة بن عكنون بالجزائر، مُعطّل عن العمل،، كثير الحلم بغد أفضل وشمس غير خجولة تشرق على الأرض عامة وعلى وطني الكبير خاصّة، سليل عائلة مناضلة، والدي مجاهد حمل السّلاح و قاوم الاستعمار الفرنسي المباشر، تعلّمت منه قيم الصّبر والقناعة والأنفة و منه تلقّنت أوّل درس في الوطنية .

سؤال: بيانك حول وضعيتك المعيشية كان مفاجئا وصادما ومُثقلا بأوجاع ومرارات تجرجرت عبر السنين، وفيه لغة تشاؤمية مستصرخة، وكأنك تقول فيه أن"الثورة التونسية" شغلت المجال السياسي ولم تتعدد إلى مجالات أخرى؟

الشاعر: كم ناضل جيلي كما الأجيال السّابقة واللاحقة ضدّ سلطة القمع سلطة تحكم البلاد بسياسة الحديد والنّار، سلطة قوامها وعصبها الرّئيسيّ قوّة البوليس، نظام أسّس على جماجم الشّرفاء من أبناء بلادي، من بورقيبة إلى بن علي، و في هذين العهدين نلت جزاء رفضي ومقاومتي لنظام لم يبدع إلا في البطش والسجن والتشريد والقتل و تكميم الأفواه، سنة 1985 طُردت من الشغل و شُرّدت ولوحقت لسبب نضالي النّقابي ضمن صفوف الإتّحاد العام التّونسي للشغل، وفي عهد بن علي اشتغلت في الوظيفة العمومية ومنها فصلت وهذه المرّة لسبب نشاطي الثّقافي ورفضي للتهجين، ونحن الآن في عصر الثورة، وقع طردي من الشّغل (في القطاع الخاص )أمّا السّبب المعلن هي الأزمة التي يعيشها قطاع السّياحة أين أشتغل،، لقد صرخت أخيرا عبر بيان أصدرتُه مطالبا برفع المظالم التي تلاحقني، صرخت عندما انتابني اليأس من محاولاتي العديدة عبري وعبر إتّحاد الكتّاب ونقابة الكتّاب و الإتّحاد العام التّونسي للشغل ، التى لم يجب عنها من طرف هذه الحكومة المؤقّتة، كاتبنا وزارة الدّاخلية ووزارة الثّقافة والوزارة الأولى ولا مجيب، سوى لقاء يتيم لوزير الثّقافة مع إتّحاد الكتّاب أخبرهم فيه أنّه يعجز على فضّ مشكلي، هكذا وببساطة،، إنّ الخوف اليوم من جيوب ردّة مازالت ترزح على صدر الإدارة وللعلم ثورة تونس أسقطت الديكتاتور ولكن الدكتاتورية مازالت تتحكّم في جلّ مواقع القرار، إنجازات الثورة متعدّدة ولكن الطّريق مازال طويلا والحذر اليوم من الثورة المضادة والالتفاف على ثورة تونس، المثقّف مازال مسلّط عليه الظلّ والتهميش فمثلا هو ليس ممثّلا في الهيئة العليا للإصلاح السّياسي والمحافظة على مكتسبات الثورة،، المثقّف غير موجود فيها ولنقل وقع إقصاءه، علما أنّه هو الذي شارك في الحراك الثوري في الشّارع منذ أوّل الثورة ولكن اليوم نرى جلّ المثقّفين قد امتطوا عربة الفعل السّياسي و أهملوا الفعل الإبداعي والفصل بينهما غلط وقعوا فيه عن وعي أو عن غير وعي.

سؤال: ورد في بيانك بعض "اللاءات" (لا للتجويع ولا لإسكات الأصوات الحرة)، هل الأمر يتعلّق بتحذير مستقبلي أو هو إعلان عن وضع قائم غير مُعلن؟

الشاعر: أساليب القمع التي أتبعها بورقيبة وبن على ضدّ السّياسي والنّقابي والفكر الحرّ ، عديدة ، ومنها قطع الأرزاق وكمّ الأفواه، فأبشع ما يسلّط على الإنسان هو التجويع والإسكات، و لاءاتي (لا) تندرج في تنبيه هذه السّلطة أن لا تتوخّى ما توخّاه بورقيبة و بن على وتحذيرها فكما يقول الشّاعر : إذا جعت آكل من لحم مغتصبي، والجوع أصناف منها الفسيولوجي و الفكري.

سؤال: كيف تقرأ وكيف تستشرف المشهد الثقافي التونسي في ظل المتغيرات التي حدثت في تونس؟

الشاعر: المشهد الثّقافي في تونس الآن مازال تحت تأثير الصدمة ، صدمة ثورة لم يتوقعها أحد، هو الآن يبحث عن نفسه ويرتّب بيته ، الثورة التي عاشتها تونس وهي مستمرّة، دكّت ثقافة البلاط و الأبواق و لكنّها ستنتج ثقافة جادّة ، ثقافة تفعل في تنمية البلاد وتشكّل عقلا جديدا، يقطع مع كلّ رواسب الماضي الذي وظّفها لخدمة الحاكم وسلطته، هذا يتطلّب كثير وقت و جهد ، فثورة 14 جانفي وضعت حجر الأساس لهذه الثّقافة التي إليها نطمح و بها نفتح أفق الحريّة، فالكرة الآن في ملعب المثقّف الحرّ.

سؤال: أنت شاهد على ثلاثة مراحل في تونس، فما نظرتك لتضاريس التباين أو التشابه بينها؟

الشاعر: المقصود مرحلة البورقيبية و مرحلة بن علي و مرحلة الثورة ،،، الأولى هي مرحلة جعل منها بورقيبة نفسه بونبارت تارة وجوغرطة تارة، فهو الرّئيس المثقّف خرّيج الجامعة الفرنسية وهو الواصف نفسه بمنقذ البلاد و العباد، المجاهد الأكبر، نرجسيته جعلته ينكّل بكلّ معارضيه، فتونس جعلها ملكية خاصّة له، أمّا مرحلة بن علي فهي نتاج طبيعيّ لبورقيبة، فبن علي لعب نفس الدور منقض البلاد والعباد و لكنّه كان رئيسا شبه أمّي، لذا ركب الثّقافة كسابقه ولكن لإعطائه شرعية المثقّف و التعلّم و ذلك بتجييش كثير من المثقفين المرتزقة حوله و لكن وجهه الحقير الحقيقيّ كشفته الثورة، فهو رئيس عصبة، لصّ بامتياز مع عائلته وذلك ما يفسّر هروبه، لأنّ الهرب سمة اللّصوص، و ما عرفته البلاد من قمع لا يختلف على ما عرفته في عهد سابقه مع بعض التّفنّن بوصفه بوليس في الأصل، أمّا مرحلة الثورة ، فتونس عبارة عن موقع أشغال بناء، الكلّ ينتظر شكل البناية التي سنبني.

سؤال: الشاعر نرجسي بطبعه والشعر ذاتيّ بطبيعته، فهل يمكنه أن يؤرّخ الشاعر بقاموسه الخاص وألوان مخياله للأزمنة التي يحياها؟

الشاعر: ليس للشّاعر من سبيل لترجمة ذاته والذّات الأخرى إلاّ بقصيده، فنرجسيته يمكنها أن تكون أساس فعله الإبداعي، ومن خلاله و بوسائله يمكنه التأريخ لما يحيي، فالشّاعر ليس معزولا عن مجتمعه، فبإحساسه المرهف و قدرته على استشراف الغد يلعب دورا ما في المجتمع فهو المترجم للأزمة الشخصية والعامّة في شعره وهو الصّامت الصّارخ في نصوصه، وهو المؤرّخ للآلام والأفراح وهو صوت الآخر في كلّ حالاته.

سؤال: ما هي أهم مواقفك الأدبية حيال قضايا معينة عبر مسيرتك الشعرية؟

الشاعر: أهمّها معاداتي لكلّ أشكال الانبطاح و التّزلف للسلطان،، في هذا الإطار جمّدت نشاطي في إتّحاد الكتّاب لسنين عدّة وشهّرت خلالها بدور البوق الذي لعبته الهيئة المديرة السّابقة إلى حدّ أنّها جعلت من الإتّحاد شبه شعبة تجمّعية في حزب الدكتاتور وقد كلّفني موقفي هذا العزل التّام ومحاصرتي .

سؤال: ما الذي يعنيه لك الانتماء للمكان وللعصر ولخارطة الإبداع الإنسانية، أو لنقل ما الذي ينتظره الشاعر من انتماءه إلى الكون الشعري من خلال عضويته في الاتحادات والمنظمات و..؟

الشاعر: الانتماء يأتي كتتويج لتجربة، فلقد قمت بالانتماء إلى منظّمات جلّها خارج الوطن لكسر الحصار المضروب على المثقف في بلادي،، فأعتقد أنّ بوش الابن قد أخذ مقولته الشّهيرة "إن أنت لست معي ، فأنت ضدّي" من حكّامنا العرب الذي لخّصهم لنا بن علي في شخصه، لذا كان صوتي عبر هذه المنظّمات يصل إلى العالم ليبقى مطمورا في بلادي، إلى جانب نشاطي في الشّبكة العنكبوتية التي دمرت بها كلّ الحواجز و جعلت صوتي يخترق الحدود.

سؤال: هناك أجوبة تُطارد أسئلتها، فهل من أجوبة تطرحها وهي تتكفّل بالبحث عن أسئلتها؟

الوطن: الوطن، الحبيبة، الحلم.

سؤال: هل من كلمة للمثقفين؟

الشاعر: المثقف وحده القادر على تشكيل وجه الوطن ووحده يبقى القلم و الفرشاة والعدسة أقوى فعلا من الرّصاص. يرى قرامشي " إن كل البشر مثقفون بمعنى من المعاني، ولكنهم لا يملكون الوظيفة الاجتماعية للمثقفين، وهي وظيفة لا يمتلكها إلا أصحاب الكفاءات الفكرية العالية الذين يمكنهم التأثير في الناس .. ومن هنا يستخلص الفارق بين المثقف التقليدي والمثقف العضوي.. الأول يعيش في برجه العاجي ويعتقد أنه أعلى من كل الناس، في حين أن الثاني يحمل هموم كل الطبقات وكل الجماهير وكل الفقراء والمحرومين والكادحين .. وعليه، فإن المثقف الحقيقي هو المثقف العضوي الذي يعيش هموم عصره ويرتبط بقضايا أمته .. إن أي مثقف لا يتحسس آلام شعبه لا يستحق لقب المثقف حتى وإن كان يحمل أرقى الشهادات الجامعية".

المشاهدات: ..
الناشر محمد ياسين رحمة on الأحد, مايو 22, 2011. تابع قسم . الموضوع يعبّر عن رأي كاتبه لمراسلتنا، اضغط هنا.

1 التعليقات على "سيزيف التونسي الشاعر "رياض الشرايطي":"

  1. الشاعر رياض الشرايطي ,, شعاع النور باعث الأمل والصرخه والكلمه
    محاربا طواحين الهواء برصاص كلماته المدوي عله يخترق طبقات الظلم
    عبر سنون الجهاله من حكام أكثر بطشاً خوفاً من إعلاء كلمة الحق ورفع المظالم.. جاء الوقت لأن ترفع المظلمه عنه وعن كل من حمل يوماً عبءْ الكلمه وحكم عليه بالخرس ,, للنجوم حق اللجوء بأرضهم

علّق على الموضوع

الأرشيف

رئيس التحرير:

ـ ..............

مسؤول التحرير

ـ .....................

فريق التحرير

ـ ...................

ـ ....................... ـ ....................

أحدث التعليقات

أحدث المواضيع