|

السرقات الأدبية و سباقاتها


بقلم/ سمية محنش

تكادُ لا تَخْلُو الحياة الأدبية من مبدعين محترفين في السطو على إبداعات المبدعين الحقيقيين و ردِّها إليهم ، و الأدهى من ذلك تقديمها في مسابقات دولية و المنافسة بها . و لأن الادب العربي مكشوف للعام و الخاص بفطاحلته و كتبهم المنتشرة في كل مكان ، فان السارق كثيرا ما يميل الى سرقة المغمورين و الناشئين من الأدباء الصغار بمفهوم الإنتشار الإعلامي في حالات معينة ، بينما يذهب آخر الى سرقة مقاطع بأكملها لأحد الكتاب الكبار ، و ضمِّها في ثنايا كتابه معتقدا و هو المتخصص أن قارئه المتخصص هو الآخر أعمى ؛ أو أنه سيقرأ لأوَّل مرة كتابا هو كتابه.
لقد ذهب أحد الفقهاء الى اعتبار سرقة المجهود الفكري بمثابة سرقة الولد الصلبي ، اذ شبَّه الأفكار و الجهد الذهني عموما بالأولاد معتبرا ان هذا النوع من السرقة أخطر في حقيقته من سرقة الأموال ، فهي أشد وقعا على صاحبها ، اذ يتعادل احساسه وقت اكتشافها ، الاحساس الذي ينتاب المرء عندما يخطفون له ولده من صلبه ، فينسبونه إلى غيره . بينما وضعت لجنة الازهر السرقات الأدبية في درجة و حكم سرقة الأموال ، بتقدير و قياس الفعل ، و فرقت في ذات السياق بين الاقتباس و السرقة إذ اعتبرت أن الاقتباس بكل انواعه سواء أكان من كتاب أو مجلة أو أي مرجع آخر ؛ جائز شرعا شرط ان ينسب الى مصدره ، أما إن تم ذلك دون الإشارة إلى مرجعه ، فإن ذلك محرم شرعا و قانونا ، و بذلك فهو لا يعدو ان يكون سرقة يقع عليها حكم سارق الاموال العينية من قطع او حبس .
و ان نظرنا الى ذلك بالمفاهيم العصرية و القوانين الوضعية لقلنا أنه و لولا ذلك لما شرعت النصوص القانونية إحتكاما إلى القانون العام ، حق الملكية الفكرية فخصتها بقانون مكتوب ، ما يرتب على منتهكه جزاءات تصل في سلَّم درجات الجريمة حدَّ الجناية .
و للغوص أكثر في مفهوم السرقة من الناحيتين اللغوية و الشرعية ؛ فهي أن يستولي السارق خلسة على ملك الغير بقصد تملكه ، و قد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى : "و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما" أي أن ما يقع من حكم على سارق أخذ حاجة الغير بقصد تملكها من مال أو شيئ عيني بغير علم صاحبه ، هو ذاته ما يقع على سارق الأعمال الأدبية ، في حالة نسب السارق أعمال الغير إليه دون الإشارة الى منبعه و مصدره الحقيقي .
ثم كيف يمكن ان يقتبس شاعر ما شعرا من الغير؟ أولا يتم ذلك من خلال تحوير و تدوير الأفكار بما يتلائم و شخصية المقتبس ان كان فعلا شاعرا في حالات معينة تعد استثناءا لا حصرا باعتبار ان الشعر شعر ينبع من التجربة الشعورية و تعتُّقها في نفس صاحبها؟
حسب الدارسين فان الفقه قديما ظلَّ متساهلا مع السرقة الأدبية لاعتبارات منها أن الادب لتجذره في النفوس قديما و ظهوره آنذاك في هيئة فطرية لا اصطناع فيها و لا غلو ، و خاصة في البيئة العربية لأنها بيئة وجدانية شاعرة ؛ اعتبر من الامور العادية و الثانوية التي يتميز فيها الغني و الفقير ، القوي و الضعيف على غرار اليوم و لكن بمعايير السليقة الاولى ، حتى ظن بعض مقترفيها انها ليست جنحة او جناية ، رغم ان ادب السرقات ظهر مبكرا حسب التأريخ الادبي و الذي رد ظهوره الى القرن الثالث الهجري ، و منهم من قال ان بوادر السرقات الادبية معروفة منذ العصر الجاهلي واستدلوا في ذلك على قول طرفة بن العبد:
و لا اغير على الاشعار اسرقها عنها غنيت و شر الناس من سرقا
و لأن ظاهرة السرقة تحدث باستمرار في عالم الثقافة الذي يعج بمثل هؤلاء ، وجب علينا الا نسكت على ما يحدث عند التفطن و اكتشاف سرقة ما ردعا للسارق و تحذيرا لمن سيحذو حذوه ، فليس اجمل من ان يبحث المرء عن مواطن الجمال في دواخله ليحيلها شعرا ، و ان كان الله لم يخلق كل البشر شعراء و لا هو خلق كل الشعراء شعراءا على سليقتهم ، فان السارق ايا كان ؛ امقتُ الناس ، و خاصة إن كان من هؤلاء . و كأنهم بأفعالهم هذه ينشدون انتصارات آنية سرعان ما ستنكشف للعام والخاص فلا تنفعهم حينها سرقاتهم التي يطببون بها قلة أدبهم الموغلة في ثنايا عقولهم و شخصياتهم القائمة بلا مبادىء ، و لا تنفعهم وجوههم المطلية بالقار الذي تدلل عنه هذه الأعمال ، لسراَّق في العلانية لا سُرَّاق اسرار .
ترى..ماذا سيكون شعورك لو انك ستتعرض لسرقة على يد واحد من هؤلاء ؟ و ماذا سيكون شعورك و أنت تعلم ان هذا السارق قد تقدم بعملك لاحدى المسابقات و ان اللجنة لم تتفطن للسرقة ففاز بها ؟ ، أو أنك ترى السارق امامك صوتا و صورة في احدى الملتقيات أو في التلفاز مثلا و هو يقرأ أحد قصائدك للجنة مسابقة تلفزيونية؟…و ماذا لو علم هذا السارق أنك موجود في نفس المكان الذي يوجد فيه هو ، و أنك ستتقدم لذات اللجنة بذات القصيدة التي قام بسرقتها ؟
إن الأعمال الادبية بغض النظر عن الظهور الإعلامي ، و الجوائز الأدبية و قيمتها المالية التي ينشدها هؤلاء ، لا تقدر لا باموال العالم و لا بإعلامه في النفس التي ابدعتها، لأنها قطعة من الـروح و استدلال على طبيعة الشخصية المبدعة ، يتفانى فيها صاحبها بذات الحس الذي تفانى في عيش تجربتها قبل نقلها على ورق . لذلك فان من يقوم بسرقتها لا يختلف في جوهره عن اي مجرم من مجرمي السطوا و القتل.
هل جربت ذلك الاحساس ؟ احساس انهم سلبوك قطعة منك استلابا لا رحمة فيه لينشدوا به سرابا ؟؟ .. صدق فعلا من قال أن سارق العمل الأدبي بمثابة من سرق لك إبنك و نسبه الى رحم هي غير رحمك ..

المشاهدات: ..
الناشر محمد ياسين رحمة on الأربعاء, أبريل 20, 2011. تابع قسم , . الموضوع يعبّر عن رأي كاتبه لمراسلتنا، اضغط هنا.

0 التعليقات على "السرقات الأدبية و سباقاتها"

علّق على الموضوع

الأرشيف

رئيس التحرير:

ـ ..............

مسؤول التحرير

ـ .....................

فريق التحرير

ـ ...................

ـ ....................... ـ ....................

أحدث التعليقات

أحدث المواضيع