|

كيف ربح الفرنسيون والألمان معركة الأفكار ؟


تأليف: إدوارد سكايدلسكي/ ترجمة : أيمن حمودة/ للجمهور البريطاني رغبة قوية في تطوير الذات، لكنها رغبة رديئة؛ فهذا الجمهور يملك تطلّعات قوية لكن ذوقه ضعيف. صحيح أن نظام التعليم في بريطانيا يقوي الرغبة في المعرفة، لكنه يعجز عن إشباعها. وهذا ما يجعل كلامنا هنا على الدور المركزي في ثقافتنا للمثقّف أمرا مهما، ولاسيّما أن المثقف هو الشخص الذي يقول لنا ما يجب أن نعرف. إذا كانت المتاحف تدفعنا إلى النظر في بعض اللوحات والتفكير في شرائها، فقد وجدت هذه الغريزة التسويقية مثيلا لها في الإلهام الذي جعل دار روتليدج Routledge الشهيرة تعيد إصدار 30 كتابا نهاية القرن العشرين تحت عنوان "كلاسيكيات روتليدج" رأت أنها الأكثر أهمية، وعدّت أن على كلّ شخص "متعلّم" أن يقرأها. يا له من طريق مخادع لجذب أكبر عدد من الزبائن إلى أعمال قد تبقى في متناول حفنة صغيرة جدا من الاختصاصيين !ومن يعلم كم من الناس الذين يشترون هذه الكتب يقرؤونها، تلك على كل حال مسألة أخرى. كم صعب على من يراجع هذه المجموعة الكلاسيكية أن ينصف هذا العدد الكبير من الكتب المختلفة جدا. لكنني اخترت نقطة محددة، فقسّمت المجموعة طبقا لمصدرها في ثلاث لغات هي الإنجليزية، والفرنسية والألمانية ولاسيما أن الكتب ممثّلة جميعها في تلك الكلاسيكيات بأعداد متساوية تقريبا. والحقيقة المثيرة أن الكتب الأكثر أهمية وتأثيرا هي تلك المكتوبة بالألمانية: نسبية آينشتاين، رسالة منطقية فلسفية للودفيج فتجنشتين Wittgenstein، الطوطم والحرام لفرويد Freud، والأخلاق البروتستانتية لماكس فيبرWeber. وكلها إسهامات أحدثت ثورة في المجال الذي تنتمي إليه. ولا توجد دولة أوروبية أخرى أنتجت أعمالا في مكانتها، ولهذا السبب تبوأت ألمانيا مركز القلب في الحياة الثقافية للقرن العشرين. هذه الكتب الأربعة التي نشرت بين 1904 و1921 تنتمي إلى الثورة الثقافية العظيمة المعروفة بالحركة الحديثة(الحداثة). وهي تشترك بطرق مختلفة في منطلق واحد: أنّ معرفة العالم بشكل مباشر أمر غير ممكن: المعرفة ممكنة فقط من زوايا نظر متعددة. إن الحركة كما كتب آينشتاين شيء نسبي دائما؛ الرصيف-من وجهة نظر الرجل الجالس في القطار- هو الذي يتحرّك. والرأسمالية، كما برهن ماكس فيبر، ليست شيئا طبيعيا أو حتميا؛ إنها وليدة وجهة نظر دينية معيّنة. أما فتجنشتين فقد عبر عن الروح العامّة للحداثة بمقولته المأثورة: "حدود لغتي هي حدود عالمي." وهذا يفسر لماذا شهد القرن العشرون هوسا باللغة: فالعالم معطى لنا من خلال اللغة given datum؛ وتنقية اللغة تعني بشكل تلقائي تنقية رؤيتنا للعالم. كلّ الفلسفة- كما كتب فتجنشتين- هي نقد يستهدف اللغة Sprachkritik . ألم يعزز سوء الاستخدام السياسي للغة في هذا القرن والقرن الذي سبقه مقولة فتجنشتين السابقة؟ ذلك أن الأنظمة الاستبدادية تستطيع أن تحرّف العالم بتحريف اللغة، وهذا يعني أن نقد اللغة ليس لعبة فلسفية مجرّدة فحسب: إنه فعل مقاومة سياسي. هذا شيء كان قد فهمه بشكل جيد كل من الروائي الإنجليزي جورج أورويل، و الروائي الروسي شولزينزن Solzhenitsyn. ننتقل من الكتب الألمانية إلى الكتب الفرنسية التسعة التي تضمنتها كلاسيكيات روتليدج. جاءت هذه الكتب في المنزلة الثانية بعد نظيرتها الألمانية. ولعل أبرزها الأعمال البنيوية structuralism أو ما بعد البنيوية post-structuralism، التي نشرت أول مرة بين 1961- 1977 متضمّنة تاريخ الجنون والحضارة لفوكو Foucaot، والكتابة للاكان Lacan والكتابة والاختلاف لدريدا Derrida والأسطورة والمعنى لكلود ليفي شتراوسStraus. وقد راحت هذه الأعمال تؤكد مسألة جوهرية ميزت العصور الحديثة ألا وهي مرور اللغة في تحول غير عادي: لسنا نحن الذين نتكلّم اللغة، اللغة هي التي تتكلّمنا (التعبير لهيدجر). لقد صار للغة وجود مستقل عن المتكلمين بها؛ غدت نظاما من المعاني لا سيطرة لنا عليه ولا قدرة لنا على تغييره. وكل ما نستطيع فعله هو تحليل ذلك النظام أو "تفكيكه". وبعكس ما قلناه عن فتجنشتين لم تشجع التوجهات الفكرية الأخيرة على النضال السياسي: فهي تقدم معرفة ساخرة يسارية مريحة للفوضويين. وفي الوقت الذي امتلأت فيه أعمال الحداثيين الأوائل بالإيمان في الإنسان الفاعل، تخلّلت جبرية فضولية الكتابات المتأخرة؛ فقد كتب ليفي شتراوس يقول: "كل واحد منّا نقطة تقاطع تحدث فيها أشياء".وهذه النظرة غير الموضوعيّة إلى الطبيعة البشرية هي التي عطّلت انتشارها وحدّت من ديمومتها . ثمّة ملاحظة أخيرة على المجموعة الفرنسية تتعلق بسايمون فاي Weil، المفكّرة اللاهوتية الفرنسية الأعظم في القرن العشرين، فهي ممثّلة في هذه المجموعة الكلاسيكية بعملها الأضعف "القمع والحريّة" Oppression and Liberty وهو مجموعة كتاباتها السياسية المبكرة التي كتبها من وجهة نظر ماركسية ملتزمة لكنها لم تمنعها من إبداء بعض الشكوك هنا وهناك، لكن لا شيء في هذه الكتابات يعبر عن عبقرية أعمالها اللاهوتية أو الدينية المتأخرة. لماذا لم تعد روتليدج نشر كتابها "النعمة والعفو" وهو أحد أهم كتبها بدلا من كتاب "القمع والحرية"؟ أما المساهمات الإنجليزية في مجموعة روتليدج فهي الأقلّ أهمّية نسبة إلى الكل. فغالبيّتها أعمال أكاديمية بسيطة، مثل كتاب فرانسيس ياتيس Yates "الفلسفة في العصر الإليزابيثي" وكتاب إيريك بارتردج Eric Partridge "فاجر شكسبير" . وكتاب الطبّ لدبليو إتش آر ريفرز Rivers وكتاب "السحر والدين" الذي يدين كليّا لقدرة مؤلفه على عرض البطل على منوال ثلاثية البعث الروحي لبات باركر Pat Barker وكتاب "في البحث عن الإشارات" لجوناثان كولر Jonathan Culler وهو يفيض بذلك الميل الكئيب المعروف بالنظرية النقدية وليس سوى محاولة من أساتذة الأدب الإنجليزي لتعزيز منزلتهم بتقليد متكلّف للمفكّرين الفرنسيين الذين ذكرناهم آنفا. عملان اثنان من المجموعة الإنجليزية هما الأكثر إثارة ،وأعني مقالات في الأخلاق لآيريس مردوخ Murdoch وماري ميدلي Midgley .وتنتمي هاتان الكاتبتان إلى جيل الفلاسفة الأخلاقيين النسويين الصارمين أمثال ماري وارنوك Mary Warnock وفيليبا فوت Philippa Foot وإليزابيث أنسكومب Anscombe . إنّ كتاب مردوخ المعنون بـ "سيادة الخير" The Sovereignty of Good هو رسالة تذكير بأن الأخيرة على الأقل هي فيلسوفة جيدة مثلما هي روائية جيدة. فقد حاولت مردوخ في كتابها هذا وبوصفها صوفية مترددة إنعاش الأزمنة الحديثة بمذهب أفلاطون في الخير المتعالي. أما ميدلي فهي أيضا فيلسوفة لطيفة تستحقّ أن تكون معروفة أكثر. ويضج كتابها الشر Wickedness بعقلانية أرسطوطاليسية التي وُظّفت في بحث العلاقة الإشكالية بين علم الأحياء والمبادىء الأخلاقية؛ إذ ترى أنّ المبادئ الأخلاقية نمو حتمي انبثق من ترتيبنا الاجتماعي الطبيعي، رافضة في الوقت نفسه الأشكال الأغلظ للردية الداروينية Darwinian reductionism. وهذان الكتابان يبرهنان أن الفلسفة الغربية ليست أكثر من سلسلة هوامش على أفلاطون وأرسطو. لا تضاهي الكتب الإنجليزية في القيمة منافساتها الأوروبية. لكن روتليدج خضعت لمحدّدات خاصة؛ فلو كان الناشر قد تمتع بحرّية أكبر في اختيار الكتب فأنا واثق أن هذه الكلاسيكيات كانت ستأخذ وضعا مختلفا جدا. إن اختيار الأعمال العشر غير القصصية الإنجليزية الأكثر أهمية من القرن العشرين لعبة مسلّية لكن تلك الكتب لا تضارع في الأهمية والتأثير مجموعة الكتب الألمانية، مما يعني أن بريطانيا ظلت دائما على هامش الثقافة للقرن العشرين. و هذا شيء لم يكن كذلك في القرن التاسع عشر والثامن عشر والسابع عشر؛ فقد نظر فرنسيو القرن الثامن عشر إلى نيوتن Newton، ولوكLock وهيوم Humeبوصفهم معلمين. أما الكتّاب الفيكتوريون مثل جون ستيوارت مل Mill ، وروسكين Ruskin و توماس كارليل Carlyle الكاتب والمؤرخ انجليزي. فكانوا في متناول القراء في أماكن بعيدة من بريطانيا مثل روسيا. لقد أصبحت الثقافة البريطانية في القرن العشرين محلية أكثر، وانحلّت إلى نوع من التخصصية الأكاديمية والأدب النفيس. فكتاب "فيكتوريون بارزون" لـ ليتون ستراتشي Strachey مضحطريف جدا للبريطانيين الذين يتواصلون ومضامينه. لكن كم عدد الألمان والروس أو الأمريكيين الذين يمكن أن يلتقطوا روح الطرافة فيه؟ من الواضح أنّ الكتب الإنجليزية الأكثر بروزا في هذه المجموعة كتبها مهاجرون أوروبيون بما فيها كتاب"الجنس والقمع في المجتمع الوحشي" لمالينوفسكي Malinowski، و"الطريق إلى القنانة" لهايك Hayek و"الخوف والحرية" لإريك فروم Fromm. ثم ألم ينته المقام بمجموعة من الكتّاب الألمان الآخرين أمثال فرويد وفتجنشتين وأدورنو Adorno وآينشتاين في إنجلترا أو في أمريكا ويؤثروا فيهما تأثيرا عظيما كما كان حالهم في وطنهم؟ إن حيوية الحياة الثقافية الإنجلوأمريكية ولا سيّما الأمريكية - بعد الحرب العالمية الثانية جاءت في الغالب بسبب تدفّق هذه الموهبة من القارة الأوروبية: شكرا هتلر(!)


المشاهدات: ..
الناشر محمد ياسين رحمة on الاثنين, سبتمبر 13, 2010. تابع قسم . الموضوع يعبّر عن رأي كاتبه لمراسلتنا، اضغط هنا.

0 التعليقات على "كيف ربح الفرنسيون والألمان معركة الأفكار ؟"

علّق على الموضوع

الأرشيف

رئيس التحرير:

ـ ..............

مسؤول التحرير

ـ .....................

فريق التحرير

ـ ...................

ـ ....................... ـ ....................

أحدث التعليقات

أحدث المواضيع