|

طزّ... بقلم د. فهمي هويدي

كانت البداية في أحد مطاعم اسطنبول حين أثار انتباهي أن وعاء الملح كتبت عليه بالأحرف اللاتينية كلمة «طز»، وهو ما استغربت له. ومن باب الفضول حاولت أن أتحرى العلاقة بين الملح والكلمة، التي أصبحت تجرى على لساننا، مسكونة بمعاني عدم الاكتراث والرداءة وقلة القيمة.
لم أجد لها أثرا في قواميسنا اللغوية. وحين رجعت إلى كتاب «المحكم في أصول الكلمات العامية»، وجدت أنها في الفارسية تكتب دز (بكسر الدال) وتطلق على ما هو قبيح أو رديء أو سيئ الخلق. وفى التركية تكتب «طكز» وينطقها العامة طُنز التي تعنى السخرية والهزل. وفى لسان العرب أن الطنز هو السخرية. وقد عربت الكلمة وحرفت إلى طُز، وقالوا لي في تركيا إنهم أطلقوا على الملح كلمة طز للتدليل على تواضع شأنه وقلة قيمته.
سألت أحد أساتذة التاريخ، إذا سلمنا بكل ذلك، فما الذي أوصل الكلمة إلى مصر وأشاعها على ألسنة الناس بنفس المعنى تقريبا؟ رد صاحبنا قائلا إنه في عهد الدولة العثمانية كان جباة الضرائب يحصلونها من التجار عن كل سلعة يبيعونها، ويستثنون الملح لقلة شأنه واستصغارا لقيمته. وإذ أدرك التجار ذلك فإنهم لجأوا إلى حيلة بسيطة للتهرب من الضرائب. إذ أصبحوا يخفون بضاعتهم في قاع أجولة أو أوعية كبيرة ويضعون فوقها طبقة من الملح، لا تظهر شيئا من السلعة المخفية. وحين كان يمر عليهم جباة الضرائب ويسألونهم عما لديهم فإنهم كانوا يشيرون إلى تلك الأجولة والأوعية قائلين: «فيها طز»، مستخدمين مفردات لغتهم التركية. ومنذ ذلك الحين ارتبطت الكلمة بالملح عند الأتراك، وسرت على ألسنة المصريين بالمعنى المتداول في الوقت الراهن.
وانضمت بذلك إلى قائمة المفردات التركية التي شاعت في لغتنا الدارجة، ومنها: كوبرى ــ شراب ــ شنطة ــ أوضه (حجرة) ــ فستان ــ توكه ــ فرشة ــ قفطان ــ أورنيك ــ بقلاوة ــ بومبار (الأمعاء المحشية وينطقونها منبار) ــ ياميش (الثمر الجاف فى التركية) ـ جلاش ــ ماسورة ــ بويه ــ أويمه (للنقش أو الحفر) ــ طابور ــ شلته ــ حنطور ــ جزمة (حذاء) ــ ماهية (الراتب الشهرى) ــ طاسه ــ بسطرمه (ينطقونها باصدرمة) ــ أورمان بمعنى غابة (حديقة الأورمان) ــ جردل (ينطقونها كردل) ــ طقم ــ ضُلمة (المحشى) ــ برش (حصير) ــ ازان (وعاء كبير لغلى الماء) ــ كبشة (المغرفة) ــ كركون (لمركز الشرطة) ..الخ.
ليست المفردات التركية وحدها التي اخترقت خطابنا المتداول، ولكن هناك قائمة طويلة من المفردات الفارسية أيضا (غير الكلمات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية). وهو اختراق كان متبادلا. ذلك أن المفردات العربية التي دخلت على اللغتين التركية والفارسية لا حصر لها. ويقدر بعض الباحثين ان نسبتها فى هاتين اللغتين تتراوح بين 30 و40٪ من المفردات المستخدمة. ولا غرابة في ذلك لأن انتشار الإسلام في تلك البلدان استصحب معه انتشارا للغة القرآن العربية.
يقول مؤلف كتاب المحكم في أصول الكلمات العامية إن «اللغة التي يتكلمها أهل مصر في الآونة الحاضرة (الكتاب مطبوع سنة 1939م) هي اللغة العربية محرفة عن أصولها. خارجة عن قيودها وقواعدها، وإن التحريف في العربية قديم يرجع عهده إلى زمن النبوة.
..لأن اللحن في اللغة ظهر في كلام الموالى والمتعربين آنذاك. فقد لحن أحدهم أمام النبي محمد، فقال عليه الصلاة والسلام «ارشدوا أحدكم فقد ضل».
وإذ يذكر المؤلف أنه إذا كانت مخالطة العرب لغيرهم من الأعاجم من الأسباب الخارجية التي أدت إلى تحريف اللغة، فهناك أسباب داخلية أيضا أدت إلى ذلك. وهذه الأسباب ثلاثة هي:
تعدد اللهجات بتعدد القبائل واختلافها ــ وخصائص اللغة وسننها ــ واتساع اللغة.
بقى أن تعلم أن مؤلف ذلك الكتاب النفيس اسمه الدكتور أحمد عيسى بك، الذي وجدت تعريفا له على الغلاف ذكر أنه:
عضو المجمع العلمي المصري، وعضو بالأكاديمية الدولية لتاريخ العلوم بباريس ــ وعضو المجمع العلمي العربي بدمشق ــ وعضو بالمجلس الأعلى لدار الكتب الملكية، وعضو اللجنة العليا لمتحف فؤاد الصحى ــ هل لدينا أحد الآن يملك مثل هذه المؤهلات؟!

الموضوع منقول من مدونة فهمي هويدي


المشاهدات: ..
الناشر محمد ياسين رحمة on الاثنين, يوليو 12, 2010. تابع قسم . الموضوع يعبّر عن رأي كاتبه لمراسلتنا، اضغط هنا.

2 التعليقات على "طزّ... بقلم د. فهمي هويدي"

  1. نشكر لك قلمك، الاستاذ الكبير فهمي هويدي، حقيقة اصبح الانسان العربي بعيداً عن عروبته الاصلية فلا لغة احتكمهاولا ادرجها في حياته البسيطه ولا في حياته العملية، فرمى عقله الى الغرب والشرق فأخذ ينهم منه كل شيء والعروبة في قلبه ( لاشيء) انظر الى مؤتمراتنا المحلية في اصقاع البلدان العربية اصبح المسؤول والمنظمة العربية تجبر نفسها على( اللغة اللاتينية )فأينا لغتنا العربية من الستنا هل اصبحنا نخجل من طرح اعذب اللهجات وافصحها !!!!!

    عبدالعزيز البنيان
    اعلامي سعودي
    الرياض

  2. الإعلامي البهي عبد العزيز البنيان.. كلماتك ها هنا تتويج للفكر الواعي الذي يستصرخ في دنيا العرب أن مازال فسحة من الحرية والوقت يجب اغتنامها لضمان منتهى الحرية والوقت للأجيال القادمة..
    تقبّل خالص المحبة وجميل الود

علّق على الموضوع

الأرشيف

رئيس التحرير:

ـ ..............

مسؤول التحرير

ـ .....................

فريق التحرير

ـ ...................

ـ ....................... ـ ....................

أحدث التعليقات

أحدث المواضيع