الرأس



نص شعري/ رياض الشرايطي

قدْ تتعثّرْفي ريش البوم..
أذن جازفْ بولوج أركان الجمجمة الموبوءة ...
و أقرأ نعيقها على جدران الجبين المفقوء......

الـــــــــــــــــشاردة الأولى:

يستوطن غور جمجمتي
مخلب جرذ ..
ينبش قبو طفولتي ..
فيحتلّني البكاء.........

الــــــــــــــــــواردة:

من يشتري قصيدي
بكرّاس لولدي....

الـــــــــــــــــشاردة الثّانية:

حين تلفّ بيتي حبال الشّمس..
تهرب المنضدة و القلم ..
و أبقى كما النّهار وحدي..
أعوي .. كنوّار لوز ..
أضاع ليلته السوداءْ....

الــــــــــــــــــواردة:

اللّيل جــنّة المجانين..
و محــــطّة المتعبـيـن....

الـــــــــــــــــشاردة الثّـــــــالثة:

كلّنا،، قبل المساء الصّبر...
أشباه أذناب زواحف عند البتر .......

الــــــــــــــــــواردة:

القوارير باللّيل تحاصرنا....
فنروم معانفة النّادل طويلا...طويلا.

الـــــــــــــــــشاردة الــــــــــرّابعة:

الأصحاب قناديل
كهف الدّنيا......

الــــــــــــــــــواردة:

ثلاث ليس لها وجود .
الغول و العنقاء ... و الخلّ الودود...

السبت, نوفمبر 06, 2010 | بتاريخ | تابع القراءة »

في ذكرى الساحر المكسيكي



باولو كويلو/ «عندما تشرق الشمس، أذهبُ إلى العمل. وحينما تغيب أعود إلى البيت لأستريح. أحفر البئر الذي أستخرج منه ماء الشرب، وأحرث الحقل الذي ينتج لي الطعام. وبهذا الفعل، أكون في انسجام كامل مع الخالق ـ وليس باستطاعة الملك أن يقوم بأفضل من ذلك».
هذه المقولة من نص صيني قديم، وتأتي في سياق فلسفة أحد أهم المفكرين من جيلي، وهو كارلوس كاستانيدا. وقد كّثف ما درسه في سلسلة من الكتب، التي كانت دوما موضع جدل وانتقاد وتشكيك، والتي كان لها تأثير كبير على حياتي. وبما أن الناس في أيامنا هذه بالكاد تعرف من هو كاستانيدا، فسأختار مقتطفات من أعماله على الأقل مرة في العام. لا أعرف إن كانت هذه البادرة ستساهم في عدم نسيانه، لكني من جهة أخرى اكتشفت أني في كلما مرة أتصفح فيها كتبه، أكتشف عملا يتجدد مع كل قراءة.

الطاقة هي البحث عن الحرية
الحرية هي القوة الوحيدة التي أعرفها. الحرية في الطيران خارج حدود النفس. الحرية في تسليم المرء نفسه للريح لتحمله وليتلاشى. الحرية التي تكون بمثابة شعلة الشمعة التي لا تخش ملايين النجوم التي تتأملها، والتي لا تدعي بأنها شيء آخر غير ما هي عليه مجرد شمعة.

تأتي الطاقة من قبول نفسك
لا يهم على الإطلاق ما تخفيه أو تظهره أمام جارك، لأنك تعرف من أنت. وإن كنت لا تقبل بنفسك كما أنت، فلا يمكن لأهم الفلسفات أن تؤثر فيك. من أنت؟ وأتساءل إن كنت تدرك أنك في هذه اللحظة بالتحديد، أنت محاط بالأبدية التي باستطاعتك استخدام طاقتها لصالحك. انطلاقا من مبدأ معرفتك بحدود قدراتك وأيضا التعرف على إمكانياتك، حيث يمكن أن تصبح بعدها محاربا منزها. والفارق بين المحارب المنزه والآخرين هو معرفة الأول بكيفية استخدام قواه.

طاقة الصمت

حينما نكون هادئين، ندرك أن أحداً أو شيئاً ما يحاول تعليمنا. وحينما نتمكن من إيقاف مونولجنا الداخلي، يحدث شيء استثنائي في حياتنا، إذ نكتشف أشياء لم نفكر فيها أبدا في وعينا وإن كانت موجودة وحاضرة لمساعدتنا.
وعليه، فإن الجزء الصعب عمليا هو القدرة على الاحتفاظ بالصمت ـ فرأسنا مليء دائما بالأغاني والقوائم وأشياء علينا تنفيذها، وهواجس، وأخبار الصحف وحسابات رياضية عن احتمالات وضعنا المالي. فإذا استطعنا إيقاف هذا التدفق من الانعكاسات العبثية التي لا فائدة منها، فكل شيء يصبح ممكنا.

الطاقة والفعل
يتواجد في حيز رجل المعرفة كل من هنا والآن فقط. ومعنى هذا إدراكه أنه في كل مرة يقوم بفعل ما، يزيد من طاقته وقوته، وبهذا يراقب بحذر كل شيء من حوله، مع علمه أن كل شيء مهما كان صغير أو ضئيلا، مشحون بطاقة يمكنها تعليمه أمرا ما، كالنباتات، والأظافر، وأوراق الشجر المتساقطة، كل هذه الأشياء بحاجة على كم هائل من الطاقة للاحتفاظ بنواة الذرات في مكانها حيث يمكن التقاطها ولمسها، فالمحارب الحقيقي قادر على استيعاب هذه القوة واستخدامها لصالحه.


منشور بصحيفة "البيان" الإماراتية 11 مايو 2009


الأحد, أكتوبر 03, 2010 | بتاريخ | تابع القراءة »

وصايا ماركيز إلي العالم


يقلم عوّاد ناصر/ طارت كلمات جابريل ارسيا ماركيز، إلي (أصدقائه) بعد أن أصيب بسرطان الغدة اللمفاوية،عبر العالم، ليقرأها ويتداولها ملايين القراء، خصوصاً أولئك الذين سحرهم هذا الساحر الواقعي، عبر روائعه الشهيرة التي بوأته أفضل روائي في القرن العشرين وحتي بدايات قرننا هذ ا. من الصعب تعداد أبرز ملامح إبداع هذا المبدع الكبير، فكل النعوت النقدية وأسباب الإعجاب بعمله لا تحقق الغرض، ويبدو أي وصف لأعماله قاصراً ولا يفي مسيرته المفعمة بالإخلاص للإنسان، عبر الفن، حقها. وجه ماركيز رسالته إلي العام، ليس كمن يودعه، بل كأن مقبل للقائه، بالفرح الخلاق كله، وخاطب (أصدقائه) ليس بيأس الإنسان الموشك علي الغياب الأبدي، بل بأمل الفنان، والمربي، الذي يعزز حضوره بين الناس. تلك هي القيمة الأبرز في رسالته، وهو يدعونا إلي أن لا نغمض عيوننا، حتي للحظة، كي لا نخسر ستين ثانية من النور. الرسالة قطعة فنية تزخر بالجمال الذي هو عنوان وجود ماركيز وجوهر عمله، وعلي أهمية ما قدمه وعظمة منجزه فهو يصر علي استثمار (حياة أخري) بكل قواه لو قدر له الله أن يعيش هذه الحياة مجدداً.. (ربما لن أقول كل ما أفكر به لكنني، حتماً، سأفكر في كل ما سأقوله). ثمة درس في الحب أيضاً: (سأثبت للناس كم هم علي خطأ عندما يعتقدون بأنهم فقدوا القدرة علي الحب لأنهم شاخوا، من دون أن يعرفوا أنهم شاخوا لأنهم فقدوا القدرة علي الحب). ماركيز يهدي الأطفال إلي بداية الدرب، ويضع خطواتهم الأولي علي الدرب من دون أن يأخذ بأيديهم إلي نهاية المشوار فيسلبهم متعة المغامرة والاكتشاف: (للطفل سوف أمنحه الأجنحة علي أن أتركه يتعلم الطيران وحده). وليس بعيداً جداً عن تلك الفكرة يلفت أنظار قرائه وأصدقائه إلي معني المثابرة والكفاح، كما خبرها ماركيز عندما بدأ حياته بائعاً للقناني الفارغة في أزقة باريس، ويكشف عما تعلمه بقوله: (تعلمت منكم الكثير أيها البشر... ومنه أن الجميع يريدون العيش في قمة الجبل غير مدركين أن سرّ السعادة تكمن في تسلقه). ويضيف الآتي: (تعلّمت أن المولود الجديد حين يشد علي أصبع أبيه للمرّة الأولي فذلك يعني انه أمسك بها إلي الأبد. تعلّمت أن الإنسان يحق له أن ينظر من فوق إلي الآخر فقط حين يجب أن يساعده علي الوقوف. تعلمت منكم أشياء كثيرة! لكن القليل منها سيفيدني، لأني عندما أرتبها في حقيبتي أكون قد ودعت الحياة. قل دائماً ما تشعر به وافعل ما تفكّر فيه. لو كنت أعرف أنها المرة الأخيرة التي أراكِ فيها نائمة لكنت ضممتك بشدة بين ذراعيّ ولتضرعت إلي الله أن يجعلني حارساً لروحك. لو كنت أعرف أنها الدقائق الأخيرة التي أراك فيها ، لقلت "أحبك" ولتجاهلت، بخجل، انك تعرفين ذلك. هناك دوماً يوم الغد، والحياة تمنحنا الفرصة لنفعل الأفضل، لكن لو أنني مخطئ وهذا هو يومي الأخير، "لقد تعلمت منكم كثيراً أيها البشر" .. هذه عبارة من بين عشرات العبارات المشعة بالضوء خطها قبل أيام الكاتب الأروع في العالم غابرييل غارسيا ماركيز في رسالة وجهها لأصدقائه ومحبيه وهو يقاوم السرطان علي فراش المرض، يتوقع ماركيز أنها الرسالة الأخيرة، فعدوّه الآن لا يمزح بل يحاول الفتك به في كل ثانية، وقد تمكن منه، لكن "غابو" العجيب يتمتم في الرسالة كما لو أنه في عنفوان الشباب والقوة: "لو شاء الله .. أن يهبني حفنة حياة أخري، سوف أستغلها بكل قواي .. سأنام قليلاً، وأحلم كثيراً، مدركاً أن كل لحظة نوم خسارة لستين ثانية من النور، وسوف أسير فيما يتوقف الآخرون، وسأصحو فيما الكلّ نيام، وسأبرهن للناس كم يخطئون لو اعتقدوا أنهم لن يكونوا عشاقاً متي شاخوا، فهم لا يدرون أنهم يشيخون إذا توقفوا عن العشق"هل هناك روح مقبلة علي الحياة أجمل من هذه الروح، وهل هناك تحد ضد الموت أبرع من هذا التحدي، وهل هناك تفاؤل يضاهي هذا التفاؤل؟ ماركيز الذي بلغ المجد بكل أبعاده، عاش حياته بالطول والعرض، حاز المال والشهرة والسعادة التي عبر عنها في حوارات كثيرة، هاهو يلخص معني الحياة ويجعلها متمثلة في قيمة واحدة هي الحب، كتب به ودافع عنه وناضل من أجله، علي امتداد رواياته وحتي آخر رمق. هاهو ماركيز يعود مثل كل مرة إلي إنسانيته البسيطة التي يجدها تعادل كل ذلك البريق المذهل في نظر الآخرين .. ففي حين تأتي جائزة نوبل العالمية لغالبية المبدعين في نهاية مسيرتهم الشاقة لتختمها، فإنه وعندما جاءته عام 1982 اعتبرها محطة وبداية انطلاقة أخري، وهو ما كان. حتي وهو ضعيف ومنهك ومشرف علي الموت بعد أكثر من 80 عاماً من العيش (مولود سنة 1927 في أركاتاكا بكولومبيا) يفكر ماركيز كعاشق يافع: "ربما هذا آخر يوم نري فيه من نحب، فلنتصرّف، لئلا نندم لأننا لم نبذل الجهد الكافي لنبتسم، لنحنّ، لنطبع قبلة"، ويقول: "لن يتذكر أحد أفكاركم المضمرة، فاطلبوا من الربّ القوة والحكمة للتعبير عنها". لنتذكر بهذه المناسبة أن لهذا الرجل حقاً كبيراً علينا، فطالما دافع عن الحقوق العربية وهو غير مطالب أو مكره علي ذلك، ساند القضية الفلسطينية ووقف ضد الحرب علي العراق، ولا يزال موقفه كذلك ولم يتبدل حتي اليوم. كثيرون منا يعيشون الحياة وكأنها انتهت، وكثيرون يدفنون رؤوسهم في الرمال مثل النعامة خوفاً من الخطر القادم، لكن كاتب "مائة عام من العزلة" و"الحب في زمن الكوليرا" و"حكاية بحار غريق" ينتظر شمس اليوم التالي بشغف، ويأمل أن يكون الغد أجمل.

منشور بصحيفة "الزمان" اللندنية 1 يونيو 2009


الأحد, أكتوبر 03, 2010 | بتاريخ | تابع القراءة »

المثقف العربي وأميته‏..‏ ظواهر جديدة‏!!


د‏.‏مصطفي عبد الغني/ ظواهر جديدة في حياتنا الثقافية اليوم تلفت النظر إلي حد بعيد‏..‏ لم تعد أمية المثقف‏_‏ وهذه أهم الظواهر وأخطرها‏-‏ تغلب عليها صفة الأمية السياسية أو الاجتماعية وحسب‏,‏ وإنما تجاوز الأمر إلي المفهوم البسيط من التعرف علي تكوين المثقف وواجبه‏,‏ لم يعد الأمر يتصل بالعديد من القضايا التي تشغل هذا المثقف أو الوعي بمفاهيم كالحرية‏,‏ والحداثة‏,‏ والتجديد‏,‏ والإصلاح والتنوير‏,‏ والنهضة والتسامح‏,‏ والدين والعلمانية والديمقراطية وحقوق الإنسان‏,‏ والعدالة والمساواة وما إلي ذلك من مفاهيم تعني الأسلوب في التغيير او تجاوزه بأساليب العصر‏..‏ وإنما الأمر جاوز ذلك كله بالوصول إلي ظواهر سلبية عديدة تؤثر في السلوك العام لمثقفينا‏..‏ تتعدد هذه الظواهر في العديد من ألوان الطيف في الواقع الثقافي حولنا‏..‏ تتحدد هذه الظواهر عند سمات عديدة ربما أولها‏,‏ هذا التعبير اللغوي الغامض أو المقزز في التعبير‏,‏ وهو تعبير ينصرف من الغموض الشديد إلي الأسلوب الرديء‏,‏ وقد لاحظ البعض ذلك فقد أشار إليها البعض من المثقفين الواعين من ذلك أمية التعبير‏,‏ وهو ما أشار إليه أحمد بهاء الدين شعبان بالفعل متمهلا عند قضية‏‏ المثقف ولغته‏‏ مشيرا إلي هذا الأسلوب الغامض الغريب في التعبير‏,‏ وهو أسلوب نراه الآن بالفعل أسلوب المثقف المعاصر الذي يقترب من البيت الشعري التراثي‏:‏ وقد غدوت إلي الحانوت يتبعني شاو مشل شلول شلشل شول وهو ما يقترب بنا من هذه الحالة السائدة التي تتكرر منذ‏‏ عنوانات‏‏ المقالات التي تكتب‏,‏ فأكثر ما يلاحظ ويدهش حقا إننا نجد كاتبا مرموقا‏_‏ هكذا‏_‏ يضع لمقالته عنوانا فجا بالعامية الرديئة‏,‏ بل لايكتفي بذلك‏,‏ بل يبدأ مقالته بجسارة غريبة بنفس العامية‏_‏ الرديئة‏_‏ ليحاول أن يتناول قضية مهمة‏,‏ الأكثر من هذا أن الكاتب يغرقنا‏_‏ إبان السرد الركيك‏_‏ بأمثال شعبية تصل إلي حالة بعيدة من هذا التعبير الرديء الذي يناقض التعبير الراقي الناقد لعديد من قضايا المجتمع‏,‏ وكأننا‏_‏ حين نحاول أن نقترب من الكاتب هنا‏-..‏ أن نسعي للتعرف علي ما يريد بأسلوب مقزز وغريب‏..‏ وهو بهذا المعني‏,‏ يحدث العكس فلا يستطيع الوصول إلي المتلقي أيا كانت ثقافته‏..‏ ونصل بهذا إلي ظاهرة أخري عند المثقف‏,‏ وهي الظاهرة التي تغرقنا حين نشير إلي إنتاج مبدعينا اليوم في مجال الإبداع‏:‏ الشعري منه أو الروائي أو القصصي‏,‏ فلا يجب أن تمر علينا دلالة هذه الخلافات العالية بين أصحاب الشعر الحر والشعر المنثور‏,‏ أو نعيد النظر في الشكل الروائي عند العديد من الروائيين حين تتفرق الدلالة العامة للنص بين سرد ذاتي أو سرد روائي أقرب إلي السرد الغامض بما يضع في السياق الأخير في سياق الرواية‏(‏ وهو ما يطلق عليه المعاصرون اللارواية ويعرفون عليه بشكل آخر حين يشيرون إلي مصطلح‏‏الرواية الجديدة‏‏ حين أشير إلي بعض الكتابات الروائية منذ أكثر من نصف قرن‏..‏ وتتعدد الأمية الفنية عند المبدعين المعاصرين‏,‏ بل‏_‏ وأكثر من هذا‏_‏ لدي عدد من النقاد الجدد الذين يكتبون وأيديهم مع شعار‏‏الشلل‏,‏ والأكثر من هذا وذاك ما يتنامي إلينا من الانتخابات التي جرت والتي ستجري في اتحاد الكتاب و الناشرين أو المحاميين او الفنانين التشكيليين من هذه القوائم أو الكشوف التي تضع سلفا لتحدد نتائج هذا التجمع أو ذاك‏..‏ بيد أن قضية حراك الانتخابات لدي الكتاب والمثقفين لها موضع آخر يمضي في هذا السياق ما سبق وان اشرنا إليه أكثر من مرة هنا حين أشرنا‏_‏ علي سبيل المثال‏-‏ إلي مفهوم‏‏ الجماعة الوظيفية‏‏ في استمرار سيادة هذا المفهوم عن الصهيونية اليوم من مفهوم‏‏ الجماعة الوظيفية‏‏ يشير إلي أن هذا المفهوم يشير إلي مجموعات بشرية تستجلب من خارج المجتمع وتجند من داخله ثم يوكل لها وظائف شتي هذا المفهوم لدي هذه‏..‏ وأكثر ما يلفت النظر هنا هو أن المصطلحات التي يأتي بها أصحاب هذا المفهوم هو الذي يردد بين المثقفين ويشار إليه من آن لآخر‏,‏ وكان الجماعة التي تقوم بهذا الدور ليسوا في أرض إسرائيل وحسب وإنما هم بيننا الآن‏..‏ الفهم الخاطيء لمصطلحات تردد لنا من الخارج‏,‏ ونقوم بترديدها بغير تأمل كبير‏,‏ من ذلك ما نتحدث به ونحن نري ولا نتعلم قط مما يجري في الانتخابات الإسرائيلية كيف سعي اليمين هناك لاستعادة هذا المفهوم عبر التغييرات حوله من منطلق الإيديولوجية العنصرية‏‏ شعب الله المختار‏‏ وما إلي ذلك‏..‏ الأمية هنا‏,‏ أمية المثقفين بالقطع‏,‏ لا تتوقف عند الأسلوب أو استخدام اللفظ وحسب‏,‏ وإنما تتجاوز كل الخيوط لتؤكد فئة تحسب علي المثقفين‏,‏ وتحاسب بحساب المثقفين‏,‏ فإذا بنا نقع في أزمة الأمية الثقافية‏..‏ ومن ثم الالتزام الفكري أو التنويري‏..‏وهو ما يحتاج لموضع آخر‏.‏

منشور بصحيفة "الأهرام" المصرية 9 إبريل 2009


الثلاثاء, سبتمبر 28, 2010 | بتاريخ | تابع القراءة »

عندما تتحول الصهيونية إلى نكتة


بقلم الكاتب الراحل/ عبد الوهاب المسيري: الصهيونية في جوهرها هي حركة لتخليص أوروبا من الفائض البشري اليهودي (Jewish surplus ) عن طريق نقله من أوروبا وتوطينه في أية منطقة خارجها، وقد استقر الرأي على أن تكون فلسطين هي هذه المنطقة نظراً لأهميتها الإستراتيجية، وارتباطها في الوجدان الغربي باليهود. وحتى يتم تجنيد الجماهير اليهودية وتسهيل عملية نقلهم، خدعهم الغرب بقوله إنهم سيذهبون إلى أرض بلا شعب، وإنه إن وُجد فيها شعب سيكون من السهل إبادته أو نقله أو استعباده كما حدث في التجارب الاستيطانية الإحلالية الأخرى. وبالفعل فُتحت أبواب فلسطين للهجرة الاستيطانية اليهودية التي كانت تحميها قوة الاحتلال البريطانية. وتم إعلان الدولة الصهيونية العام 1948، وتصور المستوطنون أنهم كسبوا المعركة ضد السكان الأصليين. ولكن بعد بضع سنوات قليلة من الهدوء بدأت المقاومة الفلسطينية النبيلة بشكل فردي ثم ظهرت فصائل المقاومة الفلسطينية الواحدة تلو الأخرى، وراحت تطور من قدراتها تدريجياً إلى أن وصلت إلى إنتاج الصواريخ وتحسين أدائها. ومن الطريف أنه نظراً لبساطة هذه الصواريخ وبدائيتها، فإن الرادارات الإسرائيلية غير قادرة على رصدها، ولذا ظهرت نكتة في إسرائيل تقول إنه لابد وأن تزود إسرائيل المقاومة الفلسطينية بصواريخ سكود حتى يمكن للرادارات الإسرائيلية أن ترصدها. وتدريجياً بدأ الإسرائيليون يشعرون أن انتصاراتهم العسكرية لا معنى لها، وأنها لم تنجح في تحقيق السلام أو الأمن لهم (فيما سماه المؤرخ الإسرائيلي يعقوب تالمون "عقم الانتصار" مقتبساً عبارة هيجل) وأنهم خُدعوا عندما صُوِّر لهم أن عملية الاستيطان في فلسطين سهلة، وتدريجياً تنامى إحساس بالورطة التاريخية. ولكن ماذا يمكن لهم أن يفعلوا؟ أحد الحلول هو تجاهل الورطة تماماً، وهذا ما تعبر عنه أحداث هذه القصيدة الفكاهية التي كتبها الشاعر الإسرائيلي إفرايم سيدون إبان الانتفاضة الأولى (والتي رفض التلفزيون الإسرائيلي إذاعتها). تدور أحداث القصيدة في غرفة صالون يجلس فيه أربعة أشخاص: الأب والأم والطفل، أما رابعهم فهو الجندي الصهيوني، وبالتالي فهي خلية استيطانية سكانية مسلحة. وقد اندلع خارج المنزل حريق (رمز الانتفاضة وظهور الشعب الفلسطيني) وبدأ الدخان يدخل البيت عبر النافذة، إلا أن الأربعة يجلسون بهدوء ويشاهدون مسلسلاً تلفزيونياً ولا يكترثون بشيء. ثم ينشد الجميع: هنا نحن جميعاً نجلس في بيتنا الصغير الهادئ نجلس في ارتياح جذل هذا أفضل لنا، حقاً إنه أفضل لنا - الأم: جيد هو وضعنا العام - الجندي: أو باختصار.. إيجابي... - الأب: وإذا كانت هنا جمرة تهدد بالحريق - الأم: طفلي سينهض لإطفاء الحريق - الأب: وإذا اندلعت هنا وهناك حرائق صغيرة - الأم: سيسرع ابني لإطفائها بالهراوة - الأب: انهض يا بني اضربها قليلاً ويخاطب الأب النار فيخبرها أنها مسكينة، وأنها لن تؤثِّر فيه من قريب أو بعيد، وأنه سيطفئها في النهاية. وحينما تأكل النيران قدميه لا تضطرب الأم، فالأمر في تصورها ليس خطيراً، إذ لديه -كما تقول- "قدم صناعية" (لعلها مستوردة من الولايات المتحدة)، والوقت -كما يقول الأب- "يعمل لصالحنا". ولكن الطفل ينطق مرة أخرى بالحقيقة المرة: - الطفل: بابا، بابا، لقد حرقنا الوقت [الزمن] - الأب: اسكت - الأم: إن من ينظر حولنا ويراقب، يرى كم أن الأب لا ينطق إلا بالصدق كعادته - الأب والأم: لقد أثبتنا للنار بشكل واضح من هو الرجل هنا ومن هو الحاكم - الطفل: ولكن بابا... البيت... - الأب: لا تشغلنا بالحقائق وهذه القصيدة الفكاهية، شأنها شأن النكت، تخبئ رؤية متشائمة بشأن مستقبل المستوطنين الصهاينة الذين يستقرون في المكان وينكرون الزمان، فتحرقهم الحقيقة وهم جالسون يراقبون مسلسلاً تلفزيونياً في هدوء وسكينة، أو يستمعون إلى الدعاية الصهيونية التي تنسيهم واقعهم في رضا كامل! ويتضح هذا الإحساس بالعبثية وفقدان الاتجاه عند الإسرائيليين في ظهور موضوع "الخوف من الإنجاب" في القصص الإسرائيلية. فمن المعروف أن الدولة الصهيونية تشجع النسل بشكل مهووس لا حباً في الإخصاب والأطفال، وإنما وسيلة لتثبيت أركان الاستعمار الاستيطاني. ولكن من المعروف أيضاً أن معدل الإنجاب في إسرائيل من أقل المعدلات في العالم، حتى أنهم فكروا في أن يعلنوا للإنجاب عاماً يركز فيه الإسرائيليون لإنجاب أطفال أكثر. وكان رد الإسرائيليين، كما هو متوقع، سريعاً وحاسماً وملهاوياً، إذ قال أحد أعضاء الكنيست إن على رئيس الوزراء أن يعود إلى منزله فوراً للقيام بواجبه الوطني مع زوجته. وهو بالمناسبة واجب وطني بالفعل، فكما يقول أستاذ الجغرافيا الإسرائيلي أرنون سوفير إن "السيادة على أرض إسرائيل لن تُحسَم بالبندقية أو القنبلة اليدوية بل ستُحسَم من خلال ساحتين: غرفة النوم والجامعات، وسيتفوق الفلسطينيون علينا في هاتين الساحتين خلال فترة غير طويلة". ومن هنا الإشارة إلى المرأة الفلسطينية النفوض، التي تنجب العديد من الأطفال، بأنها "قنبلة بيولوجية". وتعود ظاهرة العزوف عن الإنجاب إلى عدة أسباب عامة (تركُّز الإسرائيليين في المدن-علمنة المجتمع الإسرائيلي-التوجه نحو اللذة... إلخ). لكن لا يمكن إنكار أن عدم الإنجاب إنما هو انعكاس لوضع خاص داخل المجتمع الإسرائيلي وتعبير عن قلق الإسرائيليين من وضعهم الشاذ، باعتبارهم دولة مغروسة بالقوة في المنطقة، مهددة دائماً بما يسمونه المشكلة الديموغرافية، أي تزايد عدد العرب وتراجع عدد المستوطنين اليهود. ويعبر الإحساس العميق بالورطة التاريخية التي وجد الإسرائيليون أنفسهم فيها بهذه النكتة التي أطلقها أحد المسؤولين الصهاينة إبان احتفالات الذكرى الأربعين لتأسيس إسرائيل، إذ قال إن المشروع الصهيوني كله يستند إلى سوء فهم وخطأ، إذ كان من المفروض أن يتم في كندا بدلاً من فلسطين. ويرجع هذا إلى تعثُّر لسان موسى التوراتي، فحينما سأله الإله أي بلد تريد؟ كان من المفروض أن يقول "كندا" على التو ولكنه تلعثم وقال "كاكاكا- نانانا" فأعطاه الإله "أرض كنعان" (أي فلسطين) بدلاً من كندا، فهاج عليه بنو إسرائيل وماجوا وقالوا له "كان بوسعك أن تحصل على كندا بدلاً من هذا المكان البائس الخرب، هذا الوباء الشرق أوسطي الذي تحيط به الرمال والعرب". والنكتة هنا تعبِّر عن إحساس عميق بالخوف من تزايد العرب وتصاعد المقاومة وبالطريق المسدود الذي يؤدي إلى العدمية الكاملة. وتتسم المجتمعات التي يُقال لها متقدمة بتصاعد معدلات الاستهلاك، خاصة وأن هذه المعدلات أصبحت واحدة من أهم مؤشرات التقدم. والمجتمع الإسرائيلي يقال له "متقدم" ولذا نجد أن معدلات الاستهلاك فيه عالية. ولكن المشكلة أنه أيضاً مجتمع استيطاني. والتوجه الاستهلاكي يقوض من مقدرته القتالية، لأن هذا التوجه يصاحبه توجه شديد نحو اللذة وانصراف عن المثل الأيديولوجية الاستيطانية التي تتطلب الانضباط والاستعداد العسكري والمقدرة على إرجاء الإشباع. وقد كان المجتمع الصهيوني يتسم بهذه السمات. ولكن بعد حرب 1967 انفتحت بوابة الاستهلاكية، وهي تتزايد يوماً بعد يوم، وبدلاً من المستوطن القديم الذي كان يحمل المحراث بيد، والمدفع الرشاش باليد الأخرى، ظهر ما يطلق عليه "روش قطان" وهو الإنسان ذو المعدة الكبيرة والرأس (روش) الصغيرة (قطان) الذي لا يفكر إلا في مصلحته ومتعته واحتياجاته الشخصية، وينصرف تماماً عن خدمة الوطن أو حتى التفكير فيه. إنه إنسان استهلاكي مادي لا يؤجل متعة اليوم إلى الغد، غير قادر على إرجاء الإشباع، فهو غير واثق تماماً من الغد، فاليوم خمر بلا شك، ولكن الغد مظلم تماماً، فينغمس في الاستهلاك، خاصة وأنه ينسيه أزمة المعنى وفقدان الاتجاه. ولذا يقال إن سياسة الدولة الصهيونية -حسب إحدى النكات الإسرائيلية- هي تزويد جماهيرها بال T. V. C. وهي الأحرف الأولى لـ Video, and Cars وT.V. أما الشباب فيُشار له باعتباره جيل الـM T V وهي محطة الفيديو كليبات الشهيرة التي تركز على الرقص والغناء والجسد ولا تذكر العالم الخارجي من قريب أو بعيد. كما يُشار إليه باعتباره جيل الإكسبريسو، أي الشباب الذين يجلسون على المقاهي فيشربون قهوة الإكسبريسو ولا يشغلون بالهم بالوطن القومي اليهودي ومعاركه المستمرة المختلفة. وحسب الحلم الصهيوني كان من المفروض أن تصبح إسرائيل نوراً للأمم (ذات فولت عال جداً) ولكنها أصبحت -حسب قول أحد الصحفيين الإسرائيليين- مجتمع الثلاثة ف (V): الفولفو والفيديو والفيلا. وأشار أحد الصحفيين الإسرائيليين إلى أن الإسرائيليين يعملون مثل شعوب أميركا اللاتينية (أي لا يعملون) ويعيشون مثل شعوب أميركا الشمالية (أي يتمتعون بمستوى معيشي عال) ويدفعون الضرائب مثل الإيطاليين (أي يتهربون منها) ويقودون السيارات مثل المصريين (أي بجنون). وقد أشار المعلق العسكري الإسرائيلي زئيف شيف إلى الاستيطان في الضفة الغربية بأنه "استيطان دي لوكس" فالمستوطنون هناك استهلاكيون وليسوا مقاتلين، يتأكدون من حجم حمام السباحة ومساحة الفيلا قبل الانتقال إلى المستوطنة. ولذلك تشير الصحف الإسرائيلية إلى هذا الاستيطان باعتباره "الصنبور الذي لا يُغلَق أبداً" بل إنهم يشيرون إلى "محترفي الاستيطان" (بالإنجليزية: ستلمنت بروفشنالز settlement professionals) وهم المستوطنون الذين يستوطنون في الضفة الغربية انتظاراً للوقت الذي تنسحب فيه القوات الإسرائيلية ليحصلوا على التعويضات المناسبة (كما حدث في مستوطنة ياميت في شبه جزيرة سيناء). كما يشير الإسرائيليون إلى الاستيطان المكوكي (بالإنجليزية: شاتل ستلمنت shuttle settlement) وهي إشارة للمستوطنين الذين يستوطنون في الضفة الغربية بسبب رخص أسعار المساكن وحسب، ولكنهم يعملون خلف الخط الأخضر وهو ما حوَّل المستوطنات إلى منامات يقضي فيها المستوطنون سحابة ليلهم، أي أنهم ينتقلون كالمكوك بين المستوطنات التي يعيشون فيها بالضفة الغربية ومكاتبهم التي يعملون فيها بالمدن الإسرائيلية وراء الخط الأخضر. ومن حق أي شعب أن يستهلك بالقدر الذي يريد ما دام يكد ويتعب وينتج ثم ينفق، ولكن الوضع ليس كذلك في إسرائيل، فهم يعرفون أن الدولة الصهيونية "المستقلة" لا يمكن أن توفر لنفسها البقاء والاستمرار ولا أن توفر لهم هذا المستوى المعيشي المرتفع إلا من خلال الدعم الاقتصادي والسياسي والعسكري الأميركي المستمر، ما دامت تقوم بدور المدافع عن المصالح الأميركية، أي أن الدولة الصهيونية دولة وظيفية، تُعرَّف في ضوء الوظيفة الموكلة لها. وقد وصف أحد الصحفيين الإسرائيليين الدولة الصهيونية بأنها "كلب حراسة، رأسه في واشنطن وذيله في القدس" وهو وصف طريف ودقيق، وصريح وقاس. ولكن هناك دائماً الإحساس بالنكتة. فعندما طرح أحد وزراء المالية خطة "دولرة" الشيكل أي ربطه بالدولار (وهي خطة رُفضت نظرياً في حينها وإن كانت نُفِّذت عملياً) اقترحت عضوة الكنيست جيئولا كوهين أن توضع صورة أبراهام لنكولن على العملة الإسرائيلية جنباً إلى جنب مع صور زعماء إسرائيل ونجمة داود، وأن يُدرَّس التاريخ الأميركي للطلاب اليهود بدلاً مما يسمى "التاريخ اليهودي". وأوردت صحيفة "جيروزاليم بوست" الحوار الخيالي التالي بين وزير المالية وشخص آخر: الوزير: الخطوة الأولى هي أن نُخفِّض الميزانية، أما الثانية فهي تحطيم الشيكل واستخدام الدولار. الآخر: وما الخطوة الثالثة؟ الوزير: الأمر واضح جداً، ننتقل كلنا إلى بروكلين (أحد أحياء اليهود في نيويورك). لكل ما تقدم، يشعر الإسرائيليون أن الصهيونية لم تعد هي الخريطة التي تهديهم سواء السبيل، ففلسطين التي كان يُشار إليها بأنها "أرض بلا شعب" ظهر أنها فيها شعب، وأنه يقاوم المحتلين بلا هوادة، ولا يكل ولا يتعب من المقاومة. وقد لاحظ أحد الكُتَّاب الإسرائيليين أنه لا يوجد فارق كبير بين الصيغتين "صهيوني" (بالعبرية: تسيوني tzioni) و"غير المكترث" (بالعبرية: تسيني tzini) والفارق الوحيد بينهما في الإنجليزية هو حرف (o) أي زيرو. فالصهيونية، هذه الأيديولوجية المشيحانية التي تدَّعي أنها القومية اليهودية، والتي تتطلب الحد الأقصى من الحماس والالتزام، فَقَدت دلالتها وأصبحت شيئاً لا يكترث به اليهود أعضاء هذه القومية المزعومة الذين تحاول الصهيونية "تحريرهم" من أسرهم في "المنفى"! ويشير أحد الكُتَّاب الفكاهيين في إسرائيل إلى أن كلمتي "زايونيزم Zionism" الصهيونية و"زومبي Zombie" (وهو الميت الذي تُعاد له الحياة بعد أن تدخل جسده قوة خارقة، ولذا يمكنه الحركة ولكنه لا يستعيد القدرة على الكلام أو حرية الإرادة) تردان في نفس الصفحة من المعجم الإنجليزي، الأمر الذي يدل -حسب تصوُّره- على ترابطهما، وأن الصهيونية إن هي إلا زومبي، أي جسد متحرِّك لا حياة فيه ولا معنى له. وهذا الكاتب الكوميدي لم يجانب الحقيقة كثيراً، فهناك العديد من المستوطنات الفارغة، تنعى من بناها، لا يسكن فيها أحد، ويُطلَق عليها بالإنجليزية: دمي ستلمنت dummy settlement. وقد آثرنا ترجمتها بعبارة "مستوطنات الأشباح" أو "مستوطنات زومبي" فهي جسد قائم لا حياة فيه. ونظراً لكل هذه التطورات أصبحت كلمة "صهيونية" (تسيونوت بالعبرية) تعني "كلام مدع أحمق" (صحيفة جيروزاليم بوست، 26 أبريل/ نيسان 1985) وتحمل أيضاً معنى "التباهي بالوطنية بشكل علني مُبالَغ فيه" وتدل على الاتصاف بالسذاجة الشديدة في حقل السياسة (صحيفة إيكونوميست، 21 يوليو/ تموز 1984وكتاب برنارد أفيشاي مأساة الصهيونية، ص 26). ومن الواضح أن حقل الكلمة الدلالي أو منظورها يشير إلى مجموعتين من البشر: صهاينة الخارج، أي الصهاينة التوطينيون الذين يحضرون إلى إسرائيل ويحبون أن يسمعوا الخطب التي لا علاقة لها بالواقع، ولذا فهي ساذجة، مليئة بالادعاءات الحمقاء والتباهي العلني بالوطنية. وتشير في الوقت نفسه إلى الصهاينة الاستيطانيين الذين يعرفون أن الخطب التي عليهم إلقاؤها إن هي إلا خطب جوفاء ومبالغات لفظية لا معنى لها، ولكن عليهم إلقاءها على أية حال حتى يجزل لهم الضيوف العطاء. والمقصود الآن بعبارة مثل "اعطه صهيونية" هو "فلتتفوه بكلام ضخم أجوف لا يحمل أي معنى" فهو صوت بلا معنى، وجسد بلا روح، ودال بدون مدلول، أو كما نقول بالعامية المصرية "هجّص" فالمسألة "هجص في هجص". ويمكن أن نضيف لزيادة الدلالة "والأرزاق على الله" أو فلنُعلمن العبارة ونقول "والأرزاق على الولايات المتحدة ويهود الدياسبورا"!! والله أعلم.

منشور في "الجزيرة.نت" 7 إبريل 2009


الثلاثاء, سبتمبر 28, 2010 | بتاريخ | تابع القراءة »

العقل العربي بين استقالة الكبار والثورة الدّماغية للصغار

محمد الحمار/ الـ"فوتبول" والـ"كارتون" والـ"كمبيوتر". هذا الثالوث يحدث منذ ما لا يقلّ عن عقد من الزمن ثورة ‏حقيقية في السلوك الدّماغي عند الشباب في كلّ مجتمع تجمّعت فيه النشاطات الثلاثة وبلغت فيه ما يسمّيه ‏علماء تسرّب الأوبئة " الاستعارة شكلية ولا تعكس المضمون " نقطة انطلاق العدوى أوالـ"تربنغ بوينت" ‏باللغة الأجنبية أي مستوى من الاستعمال له من الارتفاع ما يكفي لأن يتحوّل نشاط معيّن من طور ‏الرياضة الشعبية الأولى مثلا "كرة القدم" أو الفنّ السمعي البصري الحديث " الصور المتحرّكة" أو ‏الوسيلة التقنية الحديثة الجديدة "المعلوماتية" إلى سلوك واسع الانتشار.‏ و الثورة التي أحدثها الثالوث المجنون هي عموما عبارة على تحوّلات تراها العين المجرّدة لمّا تتثبّت في ‏طريقة تعامل الشباب مع الواقع حيث أنّ هؤلاء صاروا، كما سنرى لاحقا، "يتلاعبون" بما يدركونه من ‏أفكار و"يرقّصون" ما يجول بصدورهم من أحاسيس و"يرتّبون" ما أفسدوا ترتيبه من خواطر، كأني بهم ‏يجرّبون – بالفطرة- تطبيقات من مجالاتهم المفضّلة الثلاثة فرضت نفسها عليهم وتقبّلوها برحابة صدر. ‏ أمّا الذي استرعى انتباهي على صعيد آخر وبدا لي كأنّه الكفّة الأخرى لنفس الميزان فلا يمتّ بصلة ‏لوسائل الترفيه "والعمل" الثلاثة التي تروق خاصة للصغار، بل له، في المقابل، كلّ الصّلة بما فسد من ‏سلوك الكبار. فوضعية مجتمعاتنا إزاء مسائل التقدّم وسياسات الإنماء وضعية يشوبها نوع من البعثرة ‏وعدم الانسجام. وكأنّي بها في وضع "فوضوي" "نسبة للنظرية العلمية للفوضى" يشبه كثيرا – في ‏فوضويته- وضع الشباب وهم يمارسون، بدون تأطير ولا إدارة، مجمل الحركات والإيحاءات والإيماءات ‏التي تعلّموها "بدون سابق علم من أحد" من استئناسهم بثالوث الإمتاع والمؤانسة.‏ و يتجسّم وضع الكبار في ما يلي: : نقض المقولة الشهيرة "الرجل المناسب في المكان المناسب". ‏فالمدرّسون الممتازون عندنا عادة لا تستهويهم وظيفة متفقّد التعليم.والذين لا يفارقون المساجد في قرانا ‏ومدننا ليسوا هم المنادون بالإصلاح الديني. والذين يناضلون من أجل حرّية الصحافة ليسوا من ‏الصحفيين.والذين يمسكون بناصية القليل من التكنولوجيا التي في حوزتنا ليسوا هم الموالون للعصرنة. ‏والذين يعملون من أجل التعريب وتطوير اللغة العربية ليسوا من مدرّسيها وهلمّ جرّا.‏ والذي يهمّني أن أفهمه بإزاء ما سبق هو: هل يمكن أن تكون هنالك علاقة من النوع البنّاء بين النمطين ‏من "الفوضى"، الفوضى المتأتّية من بوتقة الافتراضي والرياضي "الثالوث" في عالم الشباب، والفوضى ‏المسجّلة في عالم الواقع لدى الكبار"عدم وجود الرجل المناسب في المكان المناسب"؟ فلنسلّط أولا بعض ‏الضوء على نشأة الثالوث المجنون في مجتمعاتنا ثمّ نحاول اكتشاف ما قد يطيب استخدامه من أجل ‏المنفعة التربوية. ‏ فلئن بدأت ممارسة اللعبة الشعبية في الوطن العربي منذ ما يناهز القرن * فإنه لم يتربّ السلوك الكروي ‏‏ ولم يترعرع لدينا حتّى أصبح اليوم ظاهرة تتطلّب الدراسة، إلاّ في السنوات الأخيرة. وهذا النموّ تزامن ‏خاصة مع توسيع رقعة مشاهدي الكرة على شاشة التلفزة و بروز التلفزة العربية المشفّرة في السنوات ‏القليلة الماضية.‏ و مظاهر السلوك الكروي بالذّات تتجسّم بالخصوص في ما نسمّيه عندنا في تونس بـ"الدّخلة" "إلى ‏الملعب" وهواحتفال يسبق بداية كلّ مباراة هامة ببضع دقائق تتجلّى فيه أبهى وأرقى مظاهر التزويق ‏والإنشاد. ولم يكتف شبابنا بذلك النمط من التعبير بل ها هو يدرج برنامجا كاملا لـ"الدخلة" في اليوم ‏المخصص لخوض اختبارات الباكالوريا "الثانوية العامة" في مادة الرياضة.وقد شهدت نهاية شهرأفريل ‏‏"نيسان" من هذه السنة فعاليات أحرجت سلطة الإشراف التربوي وأيضا أحدثت بعض الفوضى في ‏الطريق العام.‏ أمّا الملفت للإنتباه من الناحية الدماغية – وهو موضوعنا- هو أنّ كل شاب تقريبا تراه يتفنّن ويبدع في ‏تخيّل اللقطات الرياضية التي لم يقم بها اللاعب الفلاني أو اللاعب العلاّني ،أو كان عليه أن يقوم بها، ثمّ ‏يتفنّن في ترجمتها إلى حركات. وكأنّي بكلّ من يهوى هذه الرياضة صار أخصّائيا مزاحما لأفضل ‏المدرّبين ولأقوى اللاعبين في فنون القفز والرقص والترقيص والمراوغة والتسلّل.وطالما أنها حركات ‏ناجمة عن إشارات دماغية،ممّا يثبت الترابط الوثيق بين الجسم والدماغ، فأصبح من الضروري أن يحيط ‏المربّون، بعناية فائقة، تلك الانفعالات السلوكية الجسمانية المرفوقة بآليات التخيّل والتّدليل والاستنباط ‏والإثبات وغيرها من آليات الاشتغال الدماغي الذي يستخدمها المتفرج و المشاهد. بكلام آخر، لا بدّ أن ‏يستغلّ المربّون هذه الظاهرة بعنوان التماثل الكيفي بينها وبين ما يعرف في مجال التعليم بـ"زوبعة ‏الدماغ". و بخصوص الـ"كارتون" فحدّث ولا حرج. فمنذ بضعة أعوام كانت دهشتي كبيرة لمّا أخبرني طلاّبي في ‏الثانوية العامة أنّ نهمهم في متابعة أفلام الصور المتحرّكة، على عكس ما كنت أتصوّر، قد ازداد و أنّ ‏أبطالهم هذه الأيام بدءا بـ "بليتش" و مرورا بـ"نانا" ووصولا إلى"داث ناوت" قد تفوق أحيانا شهرة ‏‏"زورو" و"طارزن" عند شباب جيلنا. وليس من الصعب على مدرّس ينوي إقامة مقارنة بين السلوك ‏الحالي "ما بعد الـ"كارتون"" بالسلوك القبلي للطفل أو للمراهق أن يلاحظ "كرتنة" جليّة للسلوك البعدي ‏‏"بفتح الباء" حيث أنّ شباب اليوم صاريعبّر عن وجوده بحركيّة جدّ مماثلة لتلك التي نراها عند أبطال ‏الصور المتحركة. إنهم باتوا أكثريقظة في سلوكهم أثناء التفكير وأكبر"دهاء" في إدراك المعلومة أو ‏النكتة أو العبرة أوالمشكلة من ذي قبل.وهذا ممتاز لوعرف المدرّسون كيف يستغلّونه خير استغلال، ‏أيضا بناءا على أنّ المشهد الذي يفرزه تلاطم الإيحاءات والإيماءات وتفكّك الأحداث هو نظير المشهد ‏الذي تخلّفه "زوبعة الدماغ" في العملية التربوية المدرسية . أمّا عن المعلوماتية فيكفي أن نلاحظ الإقبال الرهيب لدى الشباب وكثير من ميسوري الحال من الكهول ‏على ألعاب الـ"الكنصول" وعلى تطبيقات الحاسوب المتعددة لكي ندرك أنّ المسألة تتعدّى الحمّى ‏العرضية لتصبح عملية دماغية "فضلا عن دورها الظاهري في الترفيه والتسلية والتثقيف" تعرضها ‏علينا الحداثة بكلّ جرأة وعنف لا بدّ علينا أن ندير وجهتها حيث تشاء حاجيات التقدّم لدينا، وإلاّ هبّت ‏زوبعتها على الأخضر واليابس في أرض ثقافتنا.‏ ولئن حدثت نشأة الـ"فوتبول والكارتون والكمبيوتر" "ف- ك- ك ؛ فكّك؟" كلّ واحدة على حدة فيبدو أنّ ‏العولمة فرضتها في ثالوث متماسك ورهيب: أليست سلسلة "الكابتن ماجد" تجسيما لهذا الإتحاد بين الكرة ‏و الصورة المتحرّكة من جهة، وبين الرياضة والتكنولوجيا الرقمية من جهة أخرى؟ وأليس ‏الـ"البروإيفولوشن" أيضا تسجيدا للمزج بين فنّ الكرة والتفنّن الرقمي؟ وهذا ما يضاعف الزوبعة ‏الدماغية بثلاث فيصير الضرر" الذي قد يحصل نظريا في غياب التجذير المعرفي والثقافي" ثلاثا، و ‏الجهد المطلوب للإنقاذ منه كذلك،والسعي من أجل الإفادة و الاستفادة من الوسائل الموجودة كذلك. ومن زاوية أخرى نرى أنّ مسؤولية المتابعة لا تقتصر على تربية جمهور الشباب على أفضل الطرق ‏لاستخدام ثالوث الترفيه وشحذ آليات التفكير، بل تنطوي أيضا على إصلاح ما سمح بتعريته الثالوث من ‏شوائب في عالم الكبار. فحدود نموّ الوسائل الثلاثة ليست واضحة بشكل علمي "ربّما في غياب دراسة ‏في هذا الصدد" ولكنّ الذي تسمح لنا برصده طريقة الفينومينولوجيا قد يكون كاف لا فقط لشحذ عزائم ‏المربّين من أجل حصول الإفادة والاستفادة لدى شبابهم من الطلاّب، وهم الذين يجب أن يسعدنا ولعهم ‏بالثالوث العجيب، ولكن أيضا لإنذارنا بالخطر المحدق في مجالات نشاط الكبار. وليس لمجتمعاتنا أي ّ ‏خيار سوى التضحية بمن كبر منّا على مواكبة حمّى الصغار، وبمن لا يكسب المهارة في مغازلة ‏التكنولوجيا وفي بناء ما تسمح به هذه من ثنائيات مع أشكال معرفية قديمة، وبمن لا يقدر على اعتماد ‏التكنولوجيا وما جدّ من أشكال معرفية بفضلها، في أيّ تشييد صحّي وخال من التسوّس التاريخي ‏‏"والتاريخاني" للمستقبل، و في كلمة، بمن فاته أوان التربية.‏ فالعقل العربي مطالب، في ظلّ الثورات الدّماغية الثلاث، بتشبيب نفسه. وليس التشبيب باستبدال من ‏أحيل على المعاش بمن تخرّج لتوّه من الكلّية أو"البوليتكنك"، بل أوّله إدراج لمسلّمة "الرجل المناسب في ‏المكان المناسب" ضمن أوكد حاجياتنا ، وآخره تأهيل للعقول يرمي إلى استبطان قيم التكنولوجيا ابتغاء ‏شحذ مهارات التفكيك وإعادة التركيب لدى الشباب حتّى تحين ساعة تبليط ما تمّت تعريته من سبل كان ‏يغشاها الحطام و تسوية ما تمّ تقويمه من طرق كانت معوجّة.‏ لقد قال الأقدمون إنّ ربّ ضارّة نافعة، و أليس حريّ بنا أن نقول أيضا إنّ ربّ زوبعة نافعة طالما أنّ من ‏الزوابع في العقل العربي والمنابع ما يجب أن يتابع بكلّ دقّة وطوارئ؟

** منشور بصحيفة "العرب اللندنية" - 25 مايو 2009

الثلاثاء, سبتمبر 28, 2010 | بتاريخ | تابع القراءة »

حنظلَة.. كما هوَ ، دايرْ ظهرُه للعالم !

عائشَة السيفيّ/ قبلَ أن أولدَ بعَام.. رحلَ صاحبهُ مُغتالاً برصاصةٍ استقرت أسفلَ عينهِ اليمين.. والآن بعدَ اثنين وعشرينَ عاماً من موتِ صاحبهِ.. أصبحَ الأطفالُ الذينَ لم يخلقُوا في بطُون أمّهاتهم حينَ ماتَ شباباً.. وأصبحَ الشبابُ الذينَ عاصرُوا موتهُ كهولا.. ورغمَ ذلك فحنظلة كمَا هو.. لم تغيّر منهُ سنوَاتُ الحياةِ شيئاً.. لا يزالُ على سنينهِ العشر.. عاقدًا يديهِ.. ومعرضاً بظهرهِ عن العالمِ كلّه.. يالهُ من حنظلة هذا العصيّ على الدهر.. الواقفُ الزمانُ على قدميهِ.. لا يشيخُ ولا يفنَى! ولا غيّرتُ منهُ سنوَات الموتِ منذُ 1987 نظرتهُ التهكميّة، تماماً ولا قرّر أن يبتسمَ لحظة ً ثمّ يعود إلى تقطيبتهِ المعتادَة.. تلكَ التقطيبَة التيْ يلمحهَا القارئُ منَ الخلفِ منذُ رسمهُ صاحبهُ بها لم تتغيّر.. وربّما لأن كلّ ما رآه من مآسي شعبهِ كانَ أكبر من أنْ تستحقَ ابتسامةٌ واحدَة أن تتحمّله.. حنظلَة هذا.. الرّجل في جسدِ طفل! هكذا قرّر ناجي العَلي - رسّام الكاريكاتيُور العالميّ ـ أن يكونَ قدر "حنظلَة".. قبلَ 40 عاماً.. منذُ قرّر أن يكونَ حنظلَة شخصيّة كاريكَاتيوراتهِ الرئيسَة.. ومنذ ُ أن قرّر جعلـَهُ شاهداً على معاناةِ شعبه.. وكانَ ما قرّر! ناجيْ العلي تنبّأ أن تكونَ الرّسالة التيْ عهدَ على نفسهِ أن يؤدّيها حتى النهايَة هيَ الرصَاصة التي تودي بحيَاتهِ ولأجلِ ذلكَ قرّر أن يكونَ حنظلة حاضراً في كلّ مشهد.. في كلّ صرخة.. وأن يكونَ كالشّبح ! ينتقلُ من بقعةٍ لأخرى ليعاصرِ مصيرَ شعبهِ المتأرجحِ.. وليؤرّخ كلّ شيء متعلقٍ بفلسطينيّتهِ وعربيّتهِ.. وحينَ سئلَ ناجي العليّ.. متَى يمُوت حنظلَة أجابَ (هذا المخلوقُ الذي ابتدعتُه لنْ ينتهِي منْ بَعدِي ، بالتأكيدِ ، وربّما لا أبالغُ إذا قلتُ أنّي قدْ أستمرُ بهِ بعدَ موتِي) هلْ كانَ ناجي العلي يقرأ القادم؟ حينَ يموتُ ناجي ! ويحيَا حنظلَة؟ نعَم.. شاختِ الوجُوه ، والمَبادئ ، وشاخ مخيّم عين الحلوَة بلبنان الذي أمضَى ناجي العليّ سنواتِ عمرهِ بهِ.. وشاختِ الأقبية ، ووقعتِ الحرُوب واغتيلتِ الشخصيّات الفلسطينيّة التيْ عاصرتْ حنظلة.. وكما هُو.. ظلّ حنظلَة صغيراً بسنوَاتهِ العشر التيْ قالَ صاحبهُ عنها.. "أنّ حنظلة ولدَ وعمرهُ عشرُ سنوات.. ولنْ يتحرّك سنة ً للوراءِ ولا للخلف.. سيظلّ دائماً هكذا.." خرّيج السُجُون المحترف ناجي العلي الذي حينَ سئلَ كم مرّة ً دخل السجن أجابَ.. من كثرةِ ما زرتها نسيتُ أن أحصيها.. والسجُون كذلك لمْ تعد كما كانتْ ولم تعدِ الجدرانُ الاسمنيّة بتلك القوة التيْ رسمَ عليها ناجي العلي حنظلتهُ.. الجدرَان اعتلت.. وهوَ كما هو.. يخبرُ خرّيجي السجون أنّ هنالك رجلاً كان هنا قبلَ 40 عاماً.. يختصرُ العالم في رسمَة واحدَة.. وهوَ ليسَ منحازاً لأيّ شيءٍ سوَى للمظلومين.. سوَى للانسانِ المسحُوق تحتَ الاحتلال والظلم.. من يصدّق أنّ رساماً كاريكاتيورياً استطَاع أن يرسمَ حنظلَة في 40 ألف رسمَة كاريكاتُور دونَ أن يجعلَ من حضُور حنظلة حضوراً مملاً أو متكرراً.. ولم يجعل من شخصيّاتِه الأساسيّة طريقة ً مبتذلَة لإقناعِ الآخر بفكرتهِ.. ولأجلِ ذلكَ كانتْ فاطمة.. شخصيّة الكاريكاتيُور الشهيرة الحاضرَة دائماً في رسُومات ناجي العليّ ممثلة ً الأمّ الفلسطينيّة.. التيْ ترفعُ من أزرِ زوجها دائماً.. الذيْ قد يتخاذلُ في بعضِ الأحيانِ لكنّ فاطمَة تمارسُ دورها غير الاعتياديّ.. حينَ يلينُ زوجها تقسُو فاطمَة.. وفي أقسَى ورطَات الحرب تبدُو فاطمَة "الحزينَة دائماً" متماسكَة.. رابطَة الجأش ! تظهرُ فاطمَة.. تمسكُ في إحدَى المشاهدِ بيدها اليسارِ طفلها وهيَ ترضعهُ من صدرها.. وفي يدها اليَمين ، تنظّف بندقيّة زوجها الذاهب لمواجهةِ جنودِ الاحتلالِ.. وفي إحدَى الصور.. تحرقُ النقُود التيْ أغريَ بها زوجها ليصبحَ عميلاً لأحدِ الأنظمَة وهي تقُول: (الله يعمي عيُوني قبل ما أشوفكْ عميل ! ) بفَاطمة.. وحنظلة وزوجها.. وشخصياتٍ أخرى ، قرّر ناجي العلي أن يجابهَ السّلاح.. بسلاحٍ آخر.. تحوّل هؤلاء إلى طريقةِ ناجي الخاصّة في الرّفض وهؤلاءِ أصبحُوا لاحقاً مصدرَ إحراجٍ للأنظمَة المستبدّة التيْ لم تجد طريقة ً أخرى لإسكاتِ ناجي سوَى بإسكَاتِ روحهِ.. سقط َ ناجي العلي في لندن.. كما أرَاد حينَ قال ( ياللي بدو يرسم لفلسطين يعرف نفسه ميت ميت.. وأنا بديش أتحرك عن مبادئي ولو شعرة واحدة) ظلّ قتلةُ ناجي مجهولينَ لأعوامٍ حتّى فجرتْ صحيفَة اسرائيليّة نشرت بعد مقتلهِ بسنواتٍ قائمَة بالعمليّات الناجحة التيْ قامَ بها جهازُ المخابراتِ الاسرائيليّ لاغتيَالِ شخصياتٍ فلسطينيةٍ مدرجة ً ناجي العلي ضمنَ القائمَة لمْ يتعلّم ناجيْ العلي كيفَ يرسم؟ فقد علّمه الحزن ذلك.. وعلّمتهُ حياةُ التشرّد التي عاشها منذُ ولد في وطنهِ وأجلاهُ الاحتلالُ طفلاً إلى لبنان.. وعلّمتهُ السجُون الكثيرة المتشابهَة التيْ مكثَ بها كيفَ يجعلُ من الحزنِ مادة ً للضحك.. وكيفَ يجعلُ من الظلمِ والاستبداد مادة ً للسخريَة ! يكملُ ناجي العلي.. اثنينِ وعشرين عاماً وهوَ يرقدُ في قبرهِ غير الاختياريّ في لندن.. الذيْ عجزَ أقاربهُ أن يحققوا لهُ أمنيتهُ بأن يدفنَ بجانبِ والدهِ في مخيّم عين الحلوة.. دونَ أن يمنحَ الملايينَ الذينَ أحبّوه أمنيتهُم بأنْ يرَوا شكلَ "حنظلَة" الذيْ قالَ ناجيْ العلي أنهُ سيريْ وجههُ للعالمِ حينَ تصبحُ الكرَامة العربيّة بأمان.. وينتهيْ خوفُ الانسانِ العربيّ من فقدانِ حريّتهِ وهوَ ما لمْ يحدث.. هكذا إذن كانَ قدر حنظلة.. المطلوبُ حياً أو ميتاً ألا يعرفَ أحدٌ ما بأيّ شكلٍ هو.. وبأيِ وجهٍ يطالعُ بهِ العالمَ.. ومنذُ كتَّفَ ناجي يديْ حنظلَة إلى الخلف.. لم يرفع حنظلة يديهِ أبداً.. ظلّ كما هوَ رافضاً لأيّ مساومَة على وطنهِ.. غير مهادنٍ لأيّ نظامٍ يمسّ كرامة الانسانِ فيهِ.. حنظلَة ابنُ المرارة.. وسيظلُ كذلك.. سنكبرُ نحنُ بعدَ عشرين عاماً.. ونشيخ.. سوفَ تملأ التجاعيدُ أوجهنا.. وينمُو شعرنا ثمّ يسقط لكنّ حنظلة سيحتفظُ بطفولتهِ الصعبة.. وبرقمِ سنوَاتهِ الصعب.. وسيظلّ شعرُ رأسهِ كذلكَ كما هوَ.. بسحنتهِ الساخرَة.. نصفَ حليقٍ.. لا ينمُو أبداً.. الزّمان يمضيْ.. والأمكنَة تتغيّر.. وناجيْ العلي لمْ يعد معنياً بالعالم.. فقدْ تركَ أمانتهُ حية ً.. مطمئناً إلى أنّ أيّ رصاصةٍ لن تستطيعَ إسكَاتَ طفلهِ الذيْ رسمهُ.. هذا الحنظلَة غير الرّاغب في الموت.. غير الآبهِ بنا ونحنُ نشيخُ.. غيرُ المعنيّ بأيّ شيءٍ سوَى بالأوطانِ المسلوبة.. يقفُ حنظلة كما هوَ "داير ظهرُو للعالم".. مكتّف اليدين من الخلف.. بثيابهِ الرثّة وحتى بالرقعَة في كمّ قميصهِ اليمين.. بوجههِ المجهولِ لا شيءَ يطالهُ ، بلا مبالاتهِ المعتادَة يقفُ وبطريقتهِ التهكميّة الحزينة.. حنظلَة ابنُ السجُون.. وخرّيج معاهدِ الحزن.. التيْ حفرتْ في ريشةِ صاحبهِ ذلك الوعيَ الذي لم يأخذهُ من معاهدِ الرّسم.. بلْ من معهدِ الحياةِ التيْ علّمتهُ "لا مسَاومة على الوطن!" وعلّمتهُ بألا ينحازَ لأحدٍ سوَى لأولئكَ المنسيينَ تحتَ أقدامِ الاحتلال.. يمارسُون الحياة ولكنْ بطريقتهمِ السّاخرة.. الشبيهَة بطريقَة "حنظلة".. المشَاكس الذيْ رأى العالمَ وعمرهُ عشرُ سنوات.. وسينتهيْ العالمُ وحنظلة بسنواتهِ العشر لا يشيخ..

** منشور بصحيفة "الوطن" العمانية 3 سبتمبر 2009

الثلاثاء, سبتمبر 28, 2010 | بتاريخ | تابع القراءة »

كيف ربح الفرنسيون والألمان معركة الأفكار ؟


تأليف: إدوارد سكايدلسكي/ ترجمة : أيمن حمودة/ للجمهور البريطاني رغبة قوية في تطوير الذات، لكنها رغبة رديئة؛ فهذا الجمهور يملك تطلّعات قوية لكن ذوقه ضعيف. صحيح أن نظام التعليم في بريطانيا يقوي الرغبة في المعرفة، لكنه يعجز عن إشباعها. وهذا ما يجعل كلامنا هنا على الدور المركزي في ثقافتنا للمثقّف أمرا مهما، ولاسيّما أن المثقف هو الشخص الذي يقول لنا ما يجب أن نعرف. إذا كانت المتاحف تدفعنا إلى النظر في بعض اللوحات والتفكير في شرائها، فقد وجدت هذه الغريزة التسويقية مثيلا لها في الإلهام الذي جعل دار روتليدج Routledge الشهيرة تعيد إصدار 30 كتابا نهاية القرن العشرين تحت عنوان "كلاسيكيات روتليدج" رأت أنها الأكثر أهمية، وعدّت أن على كلّ شخص "متعلّم" أن يقرأها. يا له من طريق مخادع لجذب أكبر عدد من الزبائن إلى أعمال قد تبقى في متناول حفنة صغيرة جدا من الاختصاصيين !ومن يعلم كم من الناس الذين يشترون هذه الكتب يقرؤونها، تلك على كل حال مسألة أخرى. كم صعب على من يراجع هذه المجموعة الكلاسيكية أن ينصف هذا العدد الكبير من الكتب المختلفة جدا. لكنني اخترت نقطة محددة، فقسّمت المجموعة طبقا لمصدرها في ثلاث لغات هي الإنجليزية، والفرنسية والألمانية ولاسيما أن الكتب ممثّلة جميعها في تلك الكلاسيكيات بأعداد متساوية تقريبا. والحقيقة المثيرة أن الكتب الأكثر أهمية وتأثيرا هي تلك المكتوبة بالألمانية: نسبية آينشتاين، رسالة منطقية فلسفية للودفيج فتجنشتين Wittgenstein، الطوطم والحرام لفرويد Freud، والأخلاق البروتستانتية لماكس فيبرWeber. وكلها إسهامات أحدثت ثورة في المجال الذي تنتمي إليه. ولا توجد دولة أوروبية أخرى أنتجت أعمالا في مكانتها، ولهذا السبب تبوأت ألمانيا مركز القلب في الحياة الثقافية للقرن العشرين. هذه الكتب الأربعة التي نشرت بين 1904 و1921 تنتمي إلى الثورة الثقافية العظيمة المعروفة بالحركة الحديثة(الحداثة). وهي تشترك بطرق مختلفة في منطلق واحد: أنّ معرفة العالم بشكل مباشر أمر غير ممكن: المعرفة ممكنة فقط من زوايا نظر متعددة. إن الحركة كما كتب آينشتاين شيء نسبي دائما؛ الرصيف-من وجهة نظر الرجل الجالس في القطار- هو الذي يتحرّك. والرأسمالية، كما برهن ماكس فيبر، ليست شيئا طبيعيا أو حتميا؛ إنها وليدة وجهة نظر دينية معيّنة. أما فتجنشتين فقد عبر عن الروح العامّة للحداثة بمقولته المأثورة: "حدود لغتي هي حدود عالمي." وهذا يفسر لماذا شهد القرن العشرون هوسا باللغة: فالعالم معطى لنا من خلال اللغة given datum؛ وتنقية اللغة تعني بشكل تلقائي تنقية رؤيتنا للعالم. كلّ الفلسفة- كما كتب فتجنشتين- هي نقد يستهدف اللغة Sprachkritik . ألم يعزز سوء الاستخدام السياسي للغة في هذا القرن والقرن الذي سبقه مقولة فتجنشتين السابقة؟ ذلك أن الأنظمة الاستبدادية تستطيع أن تحرّف العالم بتحريف اللغة، وهذا يعني أن نقد اللغة ليس لعبة فلسفية مجرّدة فحسب: إنه فعل مقاومة سياسي. هذا شيء كان قد فهمه بشكل جيد كل من الروائي الإنجليزي جورج أورويل، و الروائي الروسي شولزينزن Solzhenitsyn. ننتقل من الكتب الألمانية إلى الكتب الفرنسية التسعة التي تضمنتها كلاسيكيات روتليدج. جاءت هذه الكتب في المنزلة الثانية بعد نظيرتها الألمانية. ولعل أبرزها الأعمال البنيوية structuralism أو ما بعد البنيوية post-structuralism، التي نشرت أول مرة بين 1961- 1977 متضمّنة تاريخ الجنون والحضارة لفوكو Foucaot، والكتابة للاكان Lacan والكتابة والاختلاف لدريدا Derrida والأسطورة والمعنى لكلود ليفي شتراوسStraus. وقد راحت هذه الأعمال تؤكد مسألة جوهرية ميزت العصور الحديثة ألا وهي مرور اللغة في تحول غير عادي: لسنا نحن الذين نتكلّم اللغة، اللغة هي التي تتكلّمنا (التعبير لهيدجر). لقد صار للغة وجود مستقل عن المتكلمين بها؛ غدت نظاما من المعاني لا سيطرة لنا عليه ولا قدرة لنا على تغييره. وكل ما نستطيع فعله هو تحليل ذلك النظام أو "تفكيكه". وبعكس ما قلناه عن فتجنشتين لم تشجع التوجهات الفكرية الأخيرة على النضال السياسي: فهي تقدم معرفة ساخرة يسارية مريحة للفوضويين. وفي الوقت الذي امتلأت فيه أعمال الحداثيين الأوائل بالإيمان في الإنسان الفاعل، تخلّلت جبرية فضولية الكتابات المتأخرة؛ فقد كتب ليفي شتراوس يقول: "كل واحد منّا نقطة تقاطع تحدث فيها أشياء".وهذه النظرة غير الموضوعيّة إلى الطبيعة البشرية هي التي عطّلت انتشارها وحدّت من ديمومتها . ثمّة ملاحظة أخيرة على المجموعة الفرنسية تتعلق بسايمون فاي Weil، المفكّرة اللاهوتية الفرنسية الأعظم في القرن العشرين، فهي ممثّلة في هذه المجموعة الكلاسيكية بعملها الأضعف "القمع والحريّة" Oppression and Liberty وهو مجموعة كتاباتها السياسية المبكرة التي كتبها من وجهة نظر ماركسية ملتزمة لكنها لم تمنعها من إبداء بعض الشكوك هنا وهناك، لكن لا شيء في هذه الكتابات يعبر عن عبقرية أعمالها اللاهوتية أو الدينية المتأخرة. لماذا لم تعد روتليدج نشر كتابها "النعمة والعفو" وهو أحد أهم كتبها بدلا من كتاب "القمع والحرية"؟ أما المساهمات الإنجليزية في مجموعة روتليدج فهي الأقلّ أهمّية نسبة إلى الكل. فغالبيّتها أعمال أكاديمية بسيطة، مثل كتاب فرانسيس ياتيس Yates "الفلسفة في العصر الإليزابيثي" وكتاب إيريك بارتردج Eric Partridge "فاجر شكسبير" . وكتاب الطبّ لدبليو إتش آر ريفرز Rivers وكتاب "السحر والدين" الذي يدين كليّا لقدرة مؤلفه على عرض البطل على منوال ثلاثية البعث الروحي لبات باركر Pat Barker وكتاب "في البحث عن الإشارات" لجوناثان كولر Jonathan Culler وهو يفيض بذلك الميل الكئيب المعروف بالنظرية النقدية وليس سوى محاولة من أساتذة الأدب الإنجليزي لتعزيز منزلتهم بتقليد متكلّف للمفكّرين الفرنسيين الذين ذكرناهم آنفا. عملان اثنان من المجموعة الإنجليزية هما الأكثر إثارة ،وأعني مقالات في الأخلاق لآيريس مردوخ Murdoch وماري ميدلي Midgley .وتنتمي هاتان الكاتبتان إلى جيل الفلاسفة الأخلاقيين النسويين الصارمين أمثال ماري وارنوك Mary Warnock وفيليبا فوت Philippa Foot وإليزابيث أنسكومب Anscombe . إنّ كتاب مردوخ المعنون بـ "سيادة الخير" The Sovereignty of Good هو رسالة تذكير بأن الأخيرة على الأقل هي فيلسوفة جيدة مثلما هي روائية جيدة. فقد حاولت مردوخ في كتابها هذا وبوصفها صوفية مترددة إنعاش الأزمنة الحديثة بمذهب أفلاطون في الخير المتعالي. أما ميدلي فهي أيضا فيلسوفة لطيفة تستحقّ أن تكون معروفة أكثر. ويضج كتابها الشر Wickedness بعقلانية أرسطوطاليسية التي وُظّفت في بحث العلاقة الإشكالية بين علم الأحياء والمبادىء الأخلاقية؛ إذ ترى أنّ المبادئ الأخلاقية نمو حتمي انبثق من ترتيبنا الاجتماعي الطبيعي، رافضة في الوقت نفسه الأشكال الأغلظ للردية الداروينية Darwinian reductionism. وهذان الكتابان يبرهنان أن الفلسفة الغربية ليست أكثر من سلسلة هوامش على أفلاطون وأرسطو. لا تضاهي الكتب الإنجليزية في القيمة منافساتها الأوروبية. لكن روتليدج خضعت لمحدّدات خاصة؛ فلو كان الناشر قد تمتع بحرّية أكبر في اختيار الكتب فأنا واثق أن هذه الكلاسيكيات كانت ستأخذ وضعا مختلفا جدا. إن اختيار الأعمال العشر غير القصصية الإنجليزية الأكثر أهمية من القرن العشرين لعبة مسلّية لكن تلك الكتب لا تضارع في الأهمية والتأثير مجموعة الكتب الألمانية، مما يعني أن بريطانيا ظلت دائما على هامش الثقافة للقرن العشرين. و هذا شيء لم يكن كذلك في القرن التاسع عشر والثامن عشر والسابع عشر؛ فقد نظر فرنسيو القرن الثامن عشر إلى نيوتن Newton، ولوكLock وهيوم Humeبوصفهم معلمين. أما الكتّاب الفيكتوريون مثل جون ستيوارت مل Mill ، وروسكين Ruskin و توماس كارليل Carlyle الكاتب والمؤرخ انجليزي. فكانوا في متناول القراء في أماكن بعيدة من بريطانيا مثل روسيا. لقد أصبحت الثقافة البريطانية في القرن العشرين محلية أكثر، وانحلّت إلى نوع من التخصصية الأكاديمية والأدب النفيس. فكتاب "فيكتوريون بارزون" لـ ليتون ستراتشي Strachey مضحطريف جدا للبريطانيين الذين يتواصلون ومضامينه. لكن كم عدد الألمان والروس أو الأمريكيين الذين يمكن أن يلتقطوا روح الطرافة فيه؟ من الواضح أنّ الكتب الإنجليزية الأكثر بروزا في هذه المجموعة كتبها مهاجرون أوروبيون بما فيها كتاب"الجنس والقمع في المجتمع الوحشي" لمالينوفسكي Malinowski، و"الطريق إلى القنانة" لهايك Hayek و"الخوف والحرية" لإريك فروم Fromm. ثم ألم ينته المقام بمجموعة من الكتّاب الألمان الآخرين أمثال فرويد وفتجنشتين وأدورنو Adorno وآينشتاين في إنجلترا أو في أمريكا ويؤثروا فيهما تأثيرا عظيما كما كان حالهم في وطنهم؟ إن حيوية الحياة الثقافية الإنجلوأمريكية ولا سيّما الأمريكية - بعد الحرب العالمية الثانية جاءت في الغالب بسبب تدفّق هذه الموهبة من القارة الأوروبية: شكرا هتلر(!)


الاثنين, سبتمبر 13, 2010 | بتاريخ | تابع القراءة »

واقعية الزواحف!


خيري منصور/ كم اخطأنا عندما صدقنا ان الخيال حكر على الشعراء والحالمين ، وانه نقيض الواقع ، ثم صنفنا أنفسنا بين خيالي وواقعي ، وأذكر ان عبارة استوقفتني لارنست فيشر قبل اكثر من ثلاثة عقود هي انه من واقع على الاطلاق ، لأن الخيال واقع مركز الخيال أداتنا حين نشتري سيارة أو حتى حذاء ، فما من شيء نقف لنتأمله قبل اقتنائه الا ونتخيل أنفسنا فيه ، حتى الهدايا سواء كانت لأطفالنا أو لأصدقائنا أو لمن نحب نتخيلها على هؤلاء قبل ان نحدد اختيارنا.
الخيال نبع أخلاقي لا ينضب ، وهو الذي يجعلنا نشعر بالأسى عندما يفقد الآخرون أعزاء عليهم لأنه يتيح لنا ان نضع أنفسنا مكانهم أو كما يقول المثل الانجليزي "في أحذيتهم" لهذا امتاز الانسان عن سواه من الكائنات بأنه يموت مرارا قبل أن يموت ، ويفقد قبل ان يأزف موعد الفقدان ، وشحة الخيال هي التي توهم ضحيتها بأن المأساة هي من نصيب الآخرين. اما الذات فهي معصومة.. وكم كانت الحكمة آسرة في ذلك السطر الذي نقش على قصر في احدى عواصم العرب وهو لو دامت لغيرك لما وصلت اليك ، لكن من يتذكر في سعار هذه الحياة وزحامها المجنون؟.
حتى الذاكرة ليست نقيض الخيال ، فالانسان لا يتذكر الا ما رأى أو سمع ، وبالتالي فان خياله هو اعادة انتاج لتلك المرئيات والمسموعات وحتى المشمومات ، لكن بعد أن يضيف الى الذاكرة مهارة الحاضر،.
نحتاج الى الخيال كي نتأكد بأن الموت والمرض والفقر والجهل ليس من نصيب الآخرين فقط ، وان مجرد مصادفات هي التي غيرت المصائر ولو ولد اينشتاين في قرية عربية في القرن التاسع عشر لكان في أحسن الأحوال سائق عربة أو سائس خيل ، ولو تورط تشرتشل بأخطائه المدرسية التي لفتت اليه انتباه معلميه بالولادة في احدى قرانا لكان مجرد سائق لضابط انجليزي في عهد الانتداب أو بائع خيار متجول،،.
ان كلمة واقعي رغم تكرارها مرات عديدة في حواراتنا اليومية تبدو عديمة المعنى اذا قصد بها أن تكون نقيض الخيال ، فالسلاحف واقعية وكذلك الصراصير ، لكن الكائنات التي ابتكرت التراجيديا واستشهدت دفاعا عن حياة الآخرين لها من الخيال ما يفوق الواقعيات كلها على اختلاف التسميات والتصنيفات المدرسية، وقد اتضح ان معظم القتلة والمجرمين يعانون من أنيميا الخيال ، لهذا لا يخطر ببالهم احتمال ضبطهم متلبسين بما اقترنوا ، والقصاص الذي ينتظرهم لأنه ما من جريمة كاملة، حتى هذه الجريمة التاريخية الفظيعة التي أعادت الانسان قردا في الألفية الثالثة،،.
ان من لا يعيشون بالخبز وحده لن يعيشوا بالواقع وحده ، تماما كما ان من يعيشون بالورد وحده لن يستطيعوا البقاء على قيد الحياة ، فالجدلية خالدة بين الذاكرة والخيال والذات والآخر ، كما هي كذلك بين الموت والحياة والأفراح والأتراح ، ولا أظن ان الخيال بحاجة الى من يدافع عنه لولا ان الواقعية الزواحفية فرضت علينا ذلك.. ما دام هناك بشر لا يموتون الا عندما يموتون ولا يفقدون الا عندما يطرق الفقدان أبوابهم الموصدة،.
ولا ندري ما اذا كان المقصود بالواقعية التأقلم الحربائي والببغاوي مع كل طارىء من اجل البقاء على قيد الحياة في بعدها العضوي فقط أم احتقار الورد لأنه لا يؤكل ولا يطبخ كالبصل؟.
وهذا الفصل التعسفي بين الرغيف والوردة وبين المهد والتابوت وبين الممكن والمتحقق هو فك ارتباط بين الانسان وذاته،،.


المصدر/ جريدة الدستور

الاثنين, سبتمبر 13, 2010 | بتاريخ | تابع القراءة »

عولمة الحبّ


ميساء سلوم/ هكذا فهمنا فكرة العولمة مشروعآ كونيّآ للمستقبل قريّة صغيرة ظاهرة اقتصاديّة في خلفيتها وفحواها وأبعادها . وما علاقاتها بباقي مجالات الحياة السياسيّة ..والأجتماعية والثقافيّة والإعلاميّة سوى مظاهر لنتائج تطبيق وإسقاط ظاهرة العولمة الاقتصاديّة على هذه المجالات . صحيح أن العولمة في منطلقها ظاهرة اقتصاديّة بمعنى دمج اقتصاديّات الدول المختلفة بكافة تعاملاتها وتبادلاتها في اقتصاد سوق حرّة واحدة للوصول إلى تكتّل استثماري عالمي بجميع الموارد والمواد والأسواق , لكن يجب أن لاننسى أن الاقتصاد بحد ذاته لايعدّ كيانا مستقّلا من جهة قدرته على إقامة مجتمع متكامل , إنما هو واحد من عديد من الجوانب الحياتيّة الأساسيّة التي ترسم بتفاعلها مع بعضها البعض الملامح العامّة لكل دولة, وبالتالي أي توجّه أو تحرك يقصده الاقتصاد لابد أنه سوف يطال مايرتبط به من باقي الجوانب ويمسّها بشكل ما.
ووسائل الإعلام اليوم هي أوضح تلك الجوانب بروزاً، وأحد أعمق الجوانب الحياتية تأثيرا في كيان الفرد والمجتمع, إلى حد أنه صار بمقدور تلك الوسائل خلق مجتمع جديد من مجتمع قائم متغاضيآ عن كل خصائصه السابقة وذلك بما توصّل إليه من تقنيات ترغيب, وأساليب جذب تخاطب نفسية الإنسان بمداعبة عواطفه لتكسبها ومحاكاة مشاعره لتربحها, وباتباعه منهجية إقناع ومنطق تحاور العقل لتبرمجه وتفاوض الإرادة لتسيّرها. لذلك نرى العالم اليوم قد امتلك وطوّر مؤسسات إعلاميّة أخطبوطيّة ربطت أقاصي العالم بشبكة تقنيّة معلوماتيّة مذهلة التنظيم والإمكانيّة في إلغاء الجغرافيّات, وتجاوز الحدود, سعيّآ لترويج منتجاتها السلعيّة وبضائعها الفكريّة لتعيد ترسيم الواقع ولإحداث تغيير في الحالة الثقافيّة, فاتّسعت مساحتها , وازدادت خصوبتها. وما الفضائيّات العربية إلا شريكا أساسيّا وهامّآ في معادلة الدمج الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي وهدفآ حقيقيآ في إنتاج إنسان آخر .
اليوم المشهد حزين جدآ ...دماء ...دماء...حروب ..مجاعات ..أمراض..كوارث ... العالم يتخبّط ...في كل مرّة أقف متسائلة :(وأنا كإعلاميّة ومذيعة أنقل الأخبار غير السارة) : أين نحن مما يجري حولنا ..؟ ماهو حال شبابنا بالتحديد..؟وما حالنا معهم..؟ وبالتالي ماحال مجتمعاتنا..؟ماذا أعددنا لهم من أدوات تساعدهم على أخذ مواقعهم الصحيحة ..؟ العالم يضّطرب ,وهو اليوم في القرن الحادي والعشرين أكثر من أي وقت مضى يعيش هذه الحالة.
ربما نحن اليوم بحاجة إلى رؤيّا ( با لألف الممدودة )وهي معيار غريب لم نعره أي اهتمام ولكني أحبّه كثيرا ,وهذا مايتعلق ليس فقط بثقافة الإنسان وفكره وإنمّا بقيمته التي هي جوهره ..الكتاب المقدّس يقول: "بدون رؤيّا يجمح الشعب" مالمقصود..؟
الرؤيّا : (هي التي تتلمس للأصمّ آذانآ وللأعمى عيونآ وللكسيح أقدامآ ) شئ رائع
بدأنا نسمو فوق العقل .. (نسمو بالروح).
إن وسائل الإعلام اليوم المتعدّدة تمتلك القدرة على تضليل عقول البشر وتجريديهم من العمق الروحي كونها النافذة الأهم للتواصل البشري والقناة الأمثل قي التكوين المعرفي والاطّلاع الحضاري ..والتلفزيون الفضائيّ تحديدآ هو مدرسة الشعب المفتوحة على مدار 24 ساعة, انه في متناول الجميع بسهولة ويسر..وأنماط السلوك التي تطرحها العولمة من خلال هذه الأداة موجّهة بالدرجة الأولى للشباب لأنهم الأقدر على الاستجابة والتقبل السريع لأي مفاهيم جديدة خارجة عن المألوف,تقدّم إليهم بجذب وانتباه وبوسائل باهرة وبطرق تقنيّة تؤثّر في نفوسهم وفكرهم وبالتالي
في سلوكهم وحياتهم.
اذآ باختصار نحن أمام عشرات الملايين من الشباب الذين يتوقون إلى الأداء السريع وإحراز النتائج الفعاّلة ..فثورة المعلومات وتراكمها جعلا هذا الجيل يتأثر بانجازاتها دون الحاجة إلى انتظار الخبرات الحياتيّةالطويلة .. ولكن هل نتركهم أدوات أوانسانآ آليآ يتحرك بأوامر مبرمجة في قلب هذه الثورة الإعلاميّة والتي تبدت أبسط تجلياتها بالقدرة على عبور الأرض وما أنتجته من فضاءات وسماوات أيضا ...؟ منذ فترة كنت في زيارة خارج سورية ...وكما هو الحنين دائمآ في بلاد الغربة للوطن وتفاصيل الوطن, فتشّت عن الفضائية السورية وجدتّها...وفرحت..وإذ بفيلم تلفزيوني
سوري من إنتاج الهيئة العامّة للإذاعة والتلفزيون بعنوان (رحاب) استوقفتني الشارة
واضح أنها قصة حبّ فريدة ..تفاجأت ..فنحن لسنا في زمن الحب بل زمن الحرب
تابعت.. وانجذبت.. وانتبهت إلى دموع تذرف من عينيّ...وبعدما انتهت سألت نفسي:
أنا لست هكذا ..لاأحبّ الدموع..لاأتحرّك بالمشاعر والعواطف ..عقلي وفكري فقط هما دائمآ في عمل مستمر ..ولكن أحسست بأن هذا مانحتاج إليه ونفتقده اليوم في عالم يتحرك بالريموت كونترول ...واسترحت...
إنها قصة حبّ حقيقيّة قدّمها كل من الكاتب قمر الزمان علوش والمخرج خالد الخالد
برومانسيّة ورمزيّة مع أبطال جسدّوها بفاعلية ( ميسون أبو أسعد , وعامر علي )
ربما كنت لاأرغب أن تكون نهايتها نهاية امرأة أحبّت حتى الموت ورأت أن حبّها هو كرامتها وكرامتها هو حبها,ففقدت كلّ الأشياء , لو كنت مكانها لحفظت حبي بصمتي ومحبتي وسأنتصر.( لكنها رؤيّة المخرج ) ولكن في سياقها كم نحن بأمسّ الحاجة بأن نعيد ترتيب أوراقنا من جديد لنبحث عن حقّ في معنى ومعنى في حقّ,نبحث عن إنسانيتنا لقد أصبحنا في زمن نشارك فيه أقرباءنا وأصدقاءنا الأفراح والأتراح برسائل قصيرة بالموبايل أو الايميل متناسين المشاعر الإنسانية التي نحن بحاجة لتبادلها وأن الإنسان روح ونفس كما الجسد . حبّذا لو نبحث من جديد عن جوهرنا عن احتياجاتنا..عن حبّ يملأ كياننا ويعيدنا إلى إنسانيتنا عن رؤيا تجسّد أرواحنا لننطلق في منظومة القيم الأخلاقيّة وقد أصبحت المشاهد الاأخلاقية مألوفة على الشاشات الفضائية أكثر من خبزنا كفاف يومنا .
شكرآ خالد الخالد وقمر الزمان علوش شكرآ( فيلم رحاب ), علنّا ننتظر الأكثر من هكذا أعمال دراميّة سوريّة لأننا في خطورة عولمة الإعلام إن لم نكن نعي ماهي حقيقة الشارات التي تردنا , نحن لسنا ضدّ الشارات ومدّ الجسور والحوار ولكن ربما هناك شارة عندما نتلقاها لن توصل بنا الى برّ الأمان,كثيرآ ماسمعنا عن تحطّم طائرة بسبب شارة رادار خاطئة تلقتّها ,إنها كارثة إن كنّا لانعرف كيف نستقبل تلك الذهنيّات والشارات التي لن تؤدي بنا إلا إلى الغرق في ظلمات المحيطات .
فلنفكّر, ولنعمّق الفهم والثقافة, وتوضيح الرؤيّا, والأهمّ من ذلك :( المحبّة ) إنها الوصيّة العظمى " أن تحبّوا بعضكم بعضا" "لأن المحبّة لاتقتل, لاتحسد,لاتقبّح,لاتسقط " أحبب قريبك كنفسك" وابدأ من: " أحبب إلهك من كل قلبك وفكرك وعقلك" وهي الوصيّة الأولى ,لأن الله محبّة والله ملء الكون... إنها : ( عولمة الحبّ )

المصدر/ منبر الملاذي


الاثنين, سبتمبر 13, 2010 | بتاريخ | تابع القراءة »

شباب بوليوود يسرقون الذهب من هوليوود


حميد شاكر/ يبدأ مخرج فيلم المليونير المتشرد ( داني بويل ) بإحالتنا إلى الاختيارات الأربعة في البرنامج العالمي ( من يربح المليون ) ولكي نكون في قلب الحدث في فيلم المليونير المتشرد, طرح للمتلقي تلك الاختيارات الأربعة التي رافقت بطل الفيلم ( جمال مالك ) المتباري في البرنامج، والاختيارات هي ( الغش , الحظ , العبقرية , القدر ) واللحظات الأولى للفيلم تبدأ بدخان الشرطي المحقق في أحد مراكز الشرطة في مدينة موبي , حيث الفائز جمال مالك يتعرض للضرب والاهانة , إنها ثمرة فوزه بالبرنامج في عالم مبني على الغش و الجريمة. فلم المليونير المتشرد يطرح مجاميع من الاسئلة التي تعاني منها مجتمعات العالم الثالث بأكملها . خاصة بعد ظهور موجة العنف والتطرف الديني الإسلامي , المسيحي , اليهودي .. وحتى الديانة البوذية المتسامحة دخلها جنون الطرف والذي شوه مفاهيمها رجالات الدين الجدد , حيث يخضع الفرد لتفسيرات واهية بعيدة عن روح الأديان والتي بنيت من أجل التسامح والمحبة ونبذ العنف. إن هذا التطرف ما هو إلا نتاج مشوه للمفاهيم الدينية , حيث تخضع تلك المفاهيم لتفسيرات واهية بعيدة عن مفاهيم الأديان وأخلاقيتها المثالية المتسامحة. بطل الفلم جمال مالك شاب هندي مسلم قتلت أمه نتيجة لهجمة من بعض الهندوس المتطرفين , لكننا نجده طوال فترة الفلم عاشقا مغرما بحيببته الهندوسية (لاتيكا) التي يضحي من أجلها بكل شيء. إرتكز السيناريو على حبكة متفرقة حيث انتقالات الأحداث من مركز الشرطة الى محطات التلفاز والتي تنقل لنا أحداث أنتصاره بالأجابات الصحيحة والمحيرة , لأن بطل الفيلم لم يكن سوى عامل شاي لكنه يجيب ويربح وكل ذلك يتم عن طريق خزين الذاكرة التي يعتمد عليها , إذ يتصادف ان الأسئلة التي تترى عليه قد أستنتجت أجوبتها من أسرار حياته وصعابها ودمارها , وابتداء من السؤال الأول الذي يطرح عليه بالبرنامج وهو عن الممثل الذي قام بدور البطولة في فلم ( زنجير ) فيجيب بان بطله هو الممثل الهندي الشهير ( اميتاب ) حيث المشهد الجميل / القبيح والذي يحصل فيه على توقيع بطل الفيلم على صورته . هذه الذاكرة الجميلة يحتفظ المواطن الهندي والبوذي والمسيحي والهندوسي , هي ثيمة لها دلالات كبيرة لانها تحيلنا الى وطن اسمه الهند للديانات المتعددة أنها المواطنة الحقيقية , رموز الوطن الذي لا يمكن أن يتجزأ الهند بكل أطيافه وقومياته , الكل يعشق الرموز فيه ( أميتاب ) الفنان ( غاندي ) السياسي ( طاغور) الشاعر وغيرهم , انها الذاكرة الجمعية الوطنية والتي لا تتجزأ أو تتفرق مهما أراد المشعوذون والقارئون الجدد للمفاهيم الدينية التي أضحت تفسر بمفهوم أقتصادي لا روحي , دين ينتج ربحاً هو الصحيح ودين لا ينتج ربحاً هو الخاطئ. المحور المهم في الفلم هو محور القناة التلفازية والتي تنقل وقائع البرنامج حيث المقدم الذي يريد أن يربح القناة بأي شكل من الأشكال ويخسر المتباري , إنه جزء من سلطة إعلامية كاذبة حيث الارتباط الوثيق بمراكز الشرطة والتي تقرر داخل جدرانها ما هو الصح وما هو الخطأ , الضابط في الشرطة يريد الاعتراف بالغش من الرابح / المتباري ( جمال ) حيث نشاهد إن مقدم البرنامج لا يريد خسارة العشرة آلاف ربية في الاول ولذلك يتصل بمركز الشرطة لكي يدان الفائز وترجع الأموال الى القناة , لنجد أنفسنا أمام معادلة مضحكة الفوز بالملايين = تعذيب + ضرب + أهانة + صعق كهربائي . كل تلك الطرق البذيئة التي تنتجها طرق التعذيب من أجل قلب الحقائق نجدها متوافرة , رغم ان بطل الفلم يجيب وبكل ثقة ووضوح عن عالمه الخاص , السرقة أيام الطفولة , الجريمة التي أرتكبها أخوه الأكبر ( سالم ) , علاقة الحب التي لا يفرط بها مع حبيبته ( لاتيكا) جمال بالذاكرة الغنية الممتلئة وصور التطرف التي انتهت بموت امه , ذاكرة السرقة والنصب والاحتيال في ضريح تاج محل , سرقة الاحذية للسياح وغيرها , تلك الذكرة المرة هي التي انتجت الأجوبة الصحيحة لكل الاسئلة التي واجهها حيث المخادعات الصعبة التي يحاول أن يوقع بها مقدم البرنامج والتي كان يؤكد عليها مستعينا بالاهانة التي تتعلق بمهنته الرخيصة ( بائع شاي). جمال في الفيلم ذاكرة جمعية لملايين البؤساء في الهند , هند المهراجات والجائعين , هند الطوائف والأديان المتعددة , هذه الجغرافيا المتغيرة ليوم جنوبه محترق وشماله منجمد , كل تلك التنافرات والتناقضات يمر عليها المخرج(بويل) مرورا سريعا جميلا مستعينا بسيناريو ذكي حيث البداية تبدأ من منتصف أحداث الفن ليرجع بنا الى مقدمة الاحداث وبين منتصف الاحداث وبدايتها يتم كشف شخوص الفن الاربعة (جمال) واخيه (سالم) والعشيقه (لاتيكا) ومقدم البرناج بالاضافة الى بعض الشخوص الثانوية ومنهم شخصية رئيس العصابة (مامان) أعتمد الفلم تقنيا على كاميرا سريعة متحركة ولقطات سريعة تكاد الا تجعل للذاكرة لحظة لتفكر بها، لكنها تطبعها في الذاكرة حيث تترجم بعدها واحيانا نجد لقطات اين الطائر حيث قدرية الشخوص والتي تسلط عليها دون ارادتها ومنها نشهده مقتل (سالم) في نهاية الفيلم اختيارات الامكنة التي ساعدت في اكتمال المشهد السينمي ، حيث (مومباي) الفقيرة والجميلة (مومباي) باحيائها المدميه والعشوائيه وموباي في بنائها الشامخ وبنائها كل تلك المشاهد المتناقضة توصلك الى جوهر البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لعالم رهيب يشرق على الهند بوادت الالف من الابناء الذين لا يملك اباؤهم بيتاً يسكنونه ، وغروب يموت فيه الالف على ارصفة مدنها الفقيرة. فلم المليونير يفضح لنا ويكشف معاناة الشعب المليار نسمة حيث العيش الرغيد عن طريق الصدفة، صدفة الربح السريع التي تلهب كل قلوب فقراء الهند الذين يتجمعون على شاشات التلفاز ليتماثلوا ويتشاركوا الربح والخسارة لشخصيه بث والذي صار مثالا ناطقا لهذه الملايين في لحظات المباراة الجميلة والسؤال الاخير،انتظار مشهود بالحذر الشوارع ممتلئة بشاشات التلفاز، البيوتات التي لايهمها شيء سوى نتيجة حرب جمال ضد مقدم البرنامج المحتال القوي والمموه اللعوب الذي لايريد ان تخسر قناته تلك المليونات من الربيات ، ويفوز جمال في السؤال الاخير والذي يصبح فيه جمال بائع الشاي مليونيرا لكننا لانجد لهذا الربح من تغيير على شخصية هذا الهندي الفقير لانه لم يعشق المال بل عشق حبيبته الهندوسية (لاتيكر)وينتهي الفلم بانتظاره لها في محطة القطار لينطلق الى وطنهم الخاص، وطن الحب الذي لم ولن تفرقه الاديان والقوميات أوالحدود ببعدها أو قربها المليونير قصيدة رثاء للفقراء تكسر حدود الثراء وتطيح به، قصيدة حب لوطن يعمل مناجل ان تستمر الحياة رغم مصائبها ومعاناتها، المليونير قصيده سينمائية اطاحت بقصائد المخرجين العظام في اكبر واغلى مهرجان سينمائي الا وهو مهرجان الاوسكار والتي فاز بها الفيلم الهندي دون ضغوط سياسية ودون علاقات ملتويه مع لجان التحكيم والتي ترفع وتطيح بمن تحب وبمن تره الفلم طرح معادلة مفادها ان الحب هو الجنة والجنة هي الوطن هذه المعادلة المتوازنة المستقرة هي النتاج الروحي لا النتائج المادي التي تبناها البطل دون التحاق بحزب او فئه او سلطة حكومية انها معادلة الضمير المتحرك اتجاه المثال الاجمل والاعلى والمتمثل في نقاء العلاقات الانسانية المتشابكة المتلاحمة والمتلاحقة. ان غير المألوف في هذا الفليم ، انه خلا من الاغاني وهذا الاختيار الصائب يعتبر تحديا لقوانين سينمية هنديه لايمكن كسرها فذائقة المتلقي الهندي لن تكتمل دون اغراق الفيلم بالاغاني ولكن هذا التحدي الجميل كان قد سبق وتحدى في ستينيات القرن الماضي حيث قدم شاعر السينما الهندية(ساتيا جيتر راي) ثلاثيته الشهيره حيث قدم فيلم اوبوا دون اغان وفاز في وقتها بالسعفه الذهبية في مهرجان كان. ها هي( بوليوود ) تكرر ما فعله راي ويفوز (المليونير المتشرد)بثماني جوائز أوسكار ، انها ليست ضربة حظ بل انها سينما الاحتراف الطويل الهند والتي تنتج سنويا اكثر ما تنتجه (هوليوود) واوربا والعالم العربي والمجتمع.

المصدر/ جريدة الصباح

الاثنين, سبتمبر 13, 2010 | بتاريخ , | تابع القراءة »

القفل والمفتاح


حزامة حبايب / اكتُشفت الأقفال والمفاتيح منذ أن اكتَشف الإنسان قيمة «الأداة» في حياته، قاطعاً بفكره الفطري البدائي الخطوة الجوهرية الأولى نحو مفهوم الكائن البشري «المتحضِّر». لقد عرف الإنسان القفل قبل أن يبدأ التاريخ المدوّن، واستقرّت أشكاله الدالة عليه في رسوم الإنسان على الجدران، كمستند توثيقي مهم، قبل أن تُورد في الصحف وسجلات الكتابة. طالما افتتن الإنسان بمفهوم «الخصوصية»، حتى قبل أن يُبلور صيغة هذا المفهوم نظرياً، كما تجذَّرت قيمٌ مثل «الملكية» و«الفردية» و«المادية» -رغم ما يشوب هذه القيم في أحيانٍ كثيرة من مغالاة وإفراط حتى حد التشوّه- في المذهب الإنساني الميَّال إلى الاختلاف والتميّز والتفرّد والاستحواذ. والمفتاح، بوصفه قيمة مادية ومعنوية، إنما هو من علامات تميّزنا، يصون فرديتنا، ويحدّد إطارها ويقفل عليها.

رمز السطوة والنفوذ
لقرون عديدة، كان المفتاح رمزاً للأمن والسلطة والقوة، كما ترسّخ في الأساطير في أيدي أصحاب القدرة، وبه تزداد قدرتهم وتتعزز. فتبنَّى الملوك والأباطرة ورجال الدولة والفرسان والنّبلاء المفتاح رمزاً جلياً في راياتهم وفي شعارات النبالة، التي تعكس هويّتهم وإنجازاتهم ومحتدهم الذي يعتزّون به وفي أختامهم الرسمية. وكان تسليم مفاتيح قلعة أو حصن أو مدينة في الأزمنة الآفلة يُعد حدثاً احتفالياً، ترشّح لنا عبر مصفاة التاريخ من خلال احتفالية «مفتاح المدينة» التي تحتضنها في الوقت الراهن مدن عالمية عدة، وذلك لتكريم شخصيات مشهود لها بعطاءاتها الإنسانية والاجتماعية والثقافية أو خدماتها... ويقال إن منبع هذه العادة يعود إلى العصور الوسطى، حين كان اللوردات الإقطاعيون يحمون مدنهم بأسوار عالية وبوابات موصدة بإحكام، تفتح في النهار وتُغلق في الليل، فلا تستقبل الغرباء إلا بشهادات وأوراق قانونية، أشبه بتصاريح دخول مختومة. فكان مفتاح المدينة يُقدّم للتجار الذين تربطهم بقاطنيها مصالح متبادلة، أو للشخصيات الاعتبارية وكبار الزوار، كنوع من ائتمانهم على «حرمة» المدينة، والإعراب لهم عن ثقتها بهم ومنحهم حرية دخولها ومغادرتها متى يشاؤون، إذ يُعهد لهم بمفتاح البوابة: رمز أمن المدينة وأمانها! واليوم، العديد من المدن العالمية تقدِّم مفتاحها لشخصيات بارزة، من نجوم الفن والمجتمع، أو لمنظمات ذات نشاط إنساني نبيل، أو حتى لمواطنين «صالحين» (من ذلك حين قدَّمت مدينة نيويورك في العام 2004م مفتاح مدينتها لسائق تاكسي أمين قام بإرجاع حقيبة تحتوي على لآلئ بقيمة عشرات الآلاف من الدولارات)، وذلك كنوع من التكريم الرفيع، علماً بأن المدينة لا تحيطها أسوار أو بوابات بمفاتيح، وبالتالي فإن المفتاح، المصنوع من معدن عادي -قد يطاله الصدأ والبهتان مع الوقت- وبتصميم قد يبدو مُبتذلاً ونقشٍ يحمل اسم المدينة، ليس سوى مفتاح رمزي، لا يفتح باباً ولا حتى علبة سردين! لكن تسليم مفتاح المدينة ليس بالخبر السار دائماً؛ فحتى القرن الثامن عشر، كان المفتاح رمزاً لاستقلالية الأفراد ومنعة المدن، وحين تستسلم مدينة ما لجيش غازٍ فإن هذا يُرمز له من خلال تسليم مفاتيح المدينة للغزاة! ففي لوحة «استسلام بريدا» (1652م) للرسام الإسباني الشهير دييغو فيلاسكيز، المعروضة في متحف برادو في مدريد، يصور الرسَّام حاكم مدينة بريدا الهولندية، جاستن دي ناسو، وهو يسلِّم مفتاح المدينة خاضعاً للجنرال الإسباني أمبروسيو دي سبينولا. أما لوحة «بيوس تابيستري» المطرّزة التي يعود تاريخها إلى القرن الحادي عشر (وهي قماشة مطرَّزة طولها 70 متراً وعرضها نصف متر، تصوِّر الأحداث التي قادت إلى الغزو النورماندي لإنجلترا عام 1066م وأحداث الغزو نفسه)، فتضم مشهداً لكونان الثاني، دوق بريتاني في فرنسا، يسلِّم مفتاح مدينته مكرهاً لويليام دوق نورماندي، قائد القوات النورماندية، الملقَّب بوليام الغازي، والذي أصبح ملك إنجلترا منذ أواخر العام 1066م وحتى وفاته. وحتى لحظة ما قبل الاستسلام، يبدو كونان متمنِّعاً، إذ يسلِّم المفتاح للغازي على رأس رمحه المدبَّب فيما يتقبَّل وليام استسلامه، مستلماً المفتاح، هو الآخر، على رأس رمحه كأنه يوصل له رسالة: إذا كنت تريد الموت على تسليم المفتاح أستطيع أن أعطيه لك برمحي، وفي جميع الأحوال سآخذ المفتاح! لقد كان المفتاح عنوان السطوة والمكانة والنفوذ. في مصر القديمة، كانت أهمية «رأس البيت» يحدّدها عدد المفاتيح التي يمتلكها؛ حيث كانت ضخمة يحملها العبيد على أكتافهم، سائرين وراء صاحب البيت. وكلما كثُر عبيد ربّ الدار أو حاملو مفاتيحه كلما دلَّ ذلك على درجة ثرائه ومكانته. لكن الحظوة في البيت الاسكندينافي كانت للمرأة. ففي حقبة الفايكنغ، التي امتدّت من القرن الثامن حتى القرن الحادي عشر ميلادية، احتلت المرأة المتزوجة مكانة بارزة في التراتبية الاجتماعية، وكانت المفاتيح رمز هذه المكانة. فعند الزواج، كانت عروس الفايكنغ تُمنح مجموعة من المفاتيح، للدلالة على مكانتها الجديدة، والمسؤوليات التي باتت تتولاها بوصفها ربّة البيت، وكانت المفاتيح البرونزية تتدلّى من ملابسها، أمام العيان، إلى جانب سكين صغيرة أو مقص كي يعرف الجميع -أينما حلّت- أنها متزوجة. ليس هذا فحسب، بل كانت امرأة الفايكنغ تحمل معها مفتاحها حتى إلى قبرها، إذ جرت العادة في ذاك الزمان على أن تُدفن مع قطعة أو أكثر من مقتنياتها، أهمّها المفتاح وإلى جانبه مقصّ أو إبرة خياطة أو قطعة مجوهرات أو أي شيء آخر.

تطوره عبر التاريخ
لعلّ حرص الإنسان على أمنِه وسعيه إلى حماية ملكيّته ووجوده وُلد منذ أن دبّ على الأرض، ويمكننا القول في هذا السياق إنّ أوّل «مفتاح» طوّعته البشرية كان عبارة عن غصن شجرة، وذلك حين كان رجل الكهف -أو «الإنسان الصياد» كما يُلقَّب آركيولوجياً- يستخدمه كعتلة لتحريك الحجر الجلمودي الضخم الذي يحرس فتحة كهفه. ولم يكن الخيال الإنساني يتورّع عن المضي قُدُماً بغية التماس الخصوصية وحماية الغالي والأغلى. في الهند القديمة، كان يتمّ الاحتفاظ بالممتلكات القيّمة لأهل الحكم والمال في حاويات محكمة الإغلاق، ومن ثم تُغمر في البحيرات التي تحيط بالقصور، يحميها «حرس خاص» قوامه مجموعة من التماسيح الشرسة، التي يتمّ إطعامها كميات قليلة من الطعام، بحيث تظل جائعة معظم الوقت، حتى إذا ما تجرأ أحدهم وغاص في البحيرة، التهمه تمساح في لحظات. كانت هذه أمتن الأقفال العصية على النسخ. فلبلوغ الكنوز الدفينة في الماء، كان يتعيّن قتل المفاتيح، أي التماسيح، أو تخديرها! تاريخياً، يمكن تتبّع أول نظام للقفل والمفتاح، بالمفهوم التقليدي الذي شكّل الأساس لتطور نظام الأقفال والمفاتيح الحديث، حتى قبل نحو أربعة آلاف عام. وبحسب الموسوعة الأمريكية والموسوعة العربية الشاملة فإن أقدم قفل في العالم طوَّره المصريون في العام 2000 قبل الميلاد. أما الموسوعة البريطانية، فتشير إلى أن أقدم نظام للقفل هو الذي عُثر عليه في أطلال قصر خور ساباد في مدينة نينوى العراقية ويعود إلى ما قبل نحو أربعة آلاف عام. وبسبب استخدامه على نطاق واسع في مصر في الفترة ذاتها بات يُعرف بالقفل المصري، وهو لقب ظل يشكِّل المرجع لتطوير آلية عمل الأقفال والمفاتيح لقرون طويلة لاحقة. يعرف هذا النوع من الأقفال بقفل الوتد/الريشة، ومنه تطوَّر نظام القفل الحديث واسع الاستخدام في القرن التاسع عشر، حيث لا يزال يشكِّل الأساس النظري لآلية عمل نظام الأقفال عموماً. يتكون القفل المصري أو الآشوري من مزلاج خشبي كبير يؤمِّن الباب، تتخلله عدة ثقوب على سطحه الخارجي. ثمة قطعة مثبتة على الباب تحتوي على العديد من الخوابير الخشبية مصمّمة في وضعية بحيث تنزلق في هذه الثقوب، بفعل الجاذبية الأرضية، وتثبت المزلاج، فتمنعه من التحرك وبالتالي لا يمكن فتح الباب. أما المفتاح فعبارة عن قضيب خشبي كبير، يشبه فرشاة الأسنان، ذي أوتاد بأطوال مختلفة في وضع عمودي تطابق الثقوب والخوابير. عند وضع المفتاح في ثقب المفتاح الكبير تحت الخوابير العمودية، يرتفع ببساطة بحيث يعمل على رفع الخوابير، مُفسحاً المجال للمزلاج والمفتاح في داخله كي ينزلق ثانية. ولقد عُثر على نماذج مشابهة لهذا القفل في حضارات قديمة عدة في شمال أوروبا وفي الهند والصين واليابان. وفي تقنية أكثر بدائية اعتمدها اليونانيون، كان يتم تحريك المزلاج بواسطة مفتاح من الحديد على هيئة منجل بمقبض خشبي. وكان يُمرَّر المفتاح المنجلي الشكل في ثقب في الباب ثم يُدار، بحيث يشتبك رأس المنجل بالمزلاج المثبت داخل الباب ويرفعه أو يسحبه إلى الخلف. على أن هذه التقنية لم توفر أماناً كبيراً. هنا، جاء دور الرومان الذين قطعوا بصناعة الأقفال والمفاتيح خطوات نوعية. فحتى آنذاك، كانت الأقفال تُصنع من الخشب، في حين كانت المفاتيح من الخشب أو البرونز أو الحديد، فكانت المفاتيح المعدنية تعمل على اهتراء الأقفال الخشبية بسرعة. فطوَّر الرومان أول أقفال معدنية قابلة للصمود زمنياً، حيث كانت الأقفال مصنوعة من الحديد الصلب بينما كانت المفاتيح في الغالب من البرونز. ولقد جمع الرومان بين خصائص النموذجين المصري واليوناني في صنع الأقفال، مطورين تقنية أقفال ميكانيكية مبتكرة تم تثبيتها داخل الباب، بحيث تعمل بمفتاح من الخارج عبر ثقب مخصص له. علماً بأن ابتكار ثقب المفتاح التقليدي ينسب إلى اليونانيين، في حين أن الرومان هم الذين حسّنوه وشذّبوه. وصمّم الرومان أقفالاً بخوابير وأوتاد ذات أشكال عدّة مع مفاتيح تناسبها وثقوب مفاتيح غير مألوفة، الأمر الذي قلّل من إمكانية قيام أحدهم بنسخ المفتاح. كما صاغوا الأقفال بنقوش وزخرفات ورسومات تمويهية، فجعلوها على شكل حيوانات وأزهار وطيور. كذلك، نالت المفاتيح نصيبها من الزخرفة، فدلت غزارة النقش وطبيعته وتعقيداته على مكانة صاحبها، بل إن بعض المفاتيح كانت ذات تشكيل جمالي موشَّى بالذهب أو الفضة فجاز معه التباهي بها إذ تدلّتْ من القلائد حول الأعناق وفوق الصدور. ويُنسب للرومان أيضاً أنهم اخترعوا الأقفال المسنّنة، حيث لا يزال المبدأ الذي تقوم عليه معتمداً في أقفال اليوم. كما يشير الاسم، توجد الأسنان أو النتوءات، داخل القفل حيث تمنع المفتاح من الدوران إلا إذا كان وجه المفتاح المسطح، أي لسانه، فيه شقوق صغيرة بطريقة يمكن للنتوءات أن تتخللها؛ فقط المفتاح ذو الشقوق المناسبة يمكن أن يفتح القفل المسنّن. ولما كانت الأسنان تُنحت من أجزاء معدنية صغيرة، فقد كان الرومان أول من صنعوا الأقفال والمفاتيح الصغيرة، بل إن بعض المفاتيح كانت من الصغر بحيث كان بالإمكان ارتداؤها كخواتم، فيما استحال موضة رائجة في الحقب البعيدة. ومن جديد، يستثمر الرومان خبرتهم، التي صقلتها المعرفة، في ابتكار الأقفال المحمولة، وإن كانت مراجع عدة تشير إلى أن الصين هي الموطن الذي شهد ولادة الأقفال المحمولة، أسلاف الأقفال الأسطوانية المحمولة حالياً، في حين عمل الرومان على ترويجها وتوسيع قاعدة استخداماتها. إذ راجت هذه الأقفال تحديداً وسط التجار والرحالة، ممن كانوا يسافرون بالصناديق التي تحمل بضائعهم في طرق التجارة البرية والبحرية، دون أن تردع هذه الأقفال، التي عرفت بـ «أقفال السفر»، قطَّاع الطرقات ولصوص القوافل وقراصنة البحار من السطو على الصناديق!

مجدُ «القفّالين»
من المفارقة القول إن العصور الوسطى في أوروبا، المعروفة تاريخياً بعصر الظلام، أضاءتها الأقفال، وربما الأقفال فقط، التي شهدت أوج تطورها وإبداعيتها. وبلغت حرفة صانعي الأقفال أو «القفّالين» الذرى، فبنوا مجدهم الخاص في صناعة استحالت فناً، بعد أن كانت عِلماً، مع سيادة ذائقة مترفة ومبهرجة. كانت العصور الوسطى بحق ساحة سجال فنّي تبارى فيها القفّالون في استعراض ابتكاراتهم. فقد تحولت الأقفال من الخارج إلى ما يشبه «الكنفا»، مستوعبة من النقوش والرسوم ما أحالها إلى لوحات فنية. على أن تطور شكل القفل خارجياً لم يُضف كثيراً إلى عمل آليته. ومن التحسينات التي شهدتها تلك الحقبة إخفاء ثقب المفتاح في القفل من خلال مصاريع أو أغطية سرية، كما تم تصميم بعض الأقفال بحيث تطلق دبابيس أو سهاماً صغيرة مسمومة أو سكاكين متناهية في الصغر حين كان يتم إدخال مفتاح غريب في القفل، وهو ما خاطب الخيال «القرن أوسطي» المفتون بالخرافة والغموض!
وبدأ بعض القفَّالين المهرة يحققون شهرة عالمية، فكانوا يُدعون لصنع أقفال تحت الطلب لنبلاء أوروبا تضم شعارات النبالة وأشكالاً رمزية، مع اعتماد نقوش تتناسب والبناء المعماري المصمَّم له القفل. وحين شارفت العصور الوسطى على الانتهاء، شهدت صناعة الأقفال المزيد من التفنن، إذ اكتسبت أوروبا بعضاً من عافية حضارية فحفَّزتْ القلاع والقصور والمعابد التي تجلَّت فيها كل أشكال البذخ الهندسي حدّ الصلف والتكلّف أحياناً، من القوطي إلى النهوضي فالباروك، الإبداع الأجمل للقفّالين البارعين. فأثناء النهضة تمت إضافة الرافعة إلى الأقفال المسننة لمزيد من الأمن؛ وإلى جانب مروره من خلال النتوءات الثابتة، بات يتعين على المفتاح رفع شريط -بمثابة رافعة- ليحرك المزلاج في القفل. وبحلول القرن السادس عشر، دُشِّنت في أوروبا ما يعرف بـ«الأقفال التوافقية» أو أقفال بلا مفاتيح، التي استعارت مفهومها وآلية عملها من الصين القديمة. وللقفل التوافقي قرص مدرج تحيط به مجموعة أرقام، ولفتح القفل يتعين تحريك القفل إلى اليمين وإلى اليسار في تتابع أرقام بعينها، حتى إذا ما تطابقت الأرقام مع الشقوق في القرص فُتح القفل. ولقد استُخدمت هذه الأقفال في الخزائن وصناديق المجوهرات.

هواية الملوك
استحوذت فتنة الأقفال على الألباب، وشكّل اقتناؤها غايةً ورجاءً لمن استطاع إلى الجمال والفن وثمنهما سبيلاً. وكانت كاترين الثانية إمبراطورة روسيا القيصرية -التي حكمت البلاد من العام 1762م حتى وفاتها عام 1796م- تملك واحدة من أجمل وأغلى مجموعات الأقفال في عصرها. ولم تخف الإمبراطورة إعجابها بحرفية وفنيّة صانعي الأقفال الذين كانوا يتبارون في ترجمة خيالهم في لوحات آسرة حملتها أسطح الأقفال، مبدعين أقفالاً محمولة ذات أشكال مبتكرة ومثيرة. يُقال إن صانع أقفال روسياً مشهوراً نال حريته بفضل حرفيته! فقد قام بصنع سلسلة من الأقفال والمفاتيح المزخرفة للإمبراطورة التي بلغ انبهارها بمهارته حدّ إصدارها قراراً بالعفو عنه بعدما كان على وشك ترحيله إلى سيبيريا لقضاء عقوبة بالسجن هناك، غالباً ما تنتهي إلى موت محتوم. وكما تقول القصة، فإن هذه الواقعة وراء المثل القائل: «يستلزم الأمر 89 مفتاحاً لفتح قفل سجن»، كناية عن عدد مفاتيح الأقفال التي صممها الحرفي للإمبراطورة كاترين. ولم يكتف النبلاء وسادة الأقوام باقتناء الأقفال والمفاتيح، بل بلغ الشغف بها حد تورط الملك لويس السادس عشر بصنعها! نعم.. فالملك الفرنسي الشاب، الذي أطاحت به الثورة الفرنسية في العام 1792م، لم ينشغل بأمور الحكم كثيراً، وكانت أحب الأوقات إليه عندما يخلو إلى ورشته في القصر يصنع الأقفال المعدنية، هو الذي تعلَّم الصنعة على يد قفّال فرنسي يدعى غامين. وكان لويس فخوراً على وجه التحديد بخزنة حديد سرية، احتفظ فيها بأوراقه الشخصية ومقتنياته الخاصة جداً، كان يخبّئها في أحد جدران قصره. لكن الثوار -بمساعدة غامين- تمكنوا من معرفة موقع الخزنة. ويا ليت لويس، كما يقول الفرنسيون، «حكم البلاد بمستوى كفاءته في صنع الأقفال»..

على عتبة العصر الحديث
يمكن الزعم بأن أول محاولة جادة لتعزيز مستوى الأمان للقفل وتطوير آليته تحققت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر على يد صانعي الأقفال الإنجليز، أمثال روبرت بارون وجوزيف براماه وجيريمايا تشاب. وقد واصلت صناعة الأقفال ومعها المفاتيح تطورها حيث بلغت أوجها في منتصف القرن الثامن عشر، مع صانع الأقفال الأمريكي لينوس ييل الأب، الذي سعى إلى إدخال تحديثات جوهرية على الأقفال. لكن القفزة النوعية تحققت على يد لينوس ييل الابن، الذي اخترع «قفل الوتد/الريشة» الحديث في العام 1865م، منطلقاً في فكرته من فكرة القفل الآشوري أو المصري القديم؛ وهو قفل ذو مفتاح صغير مسطّح، بحافة مُشرشرة، حيث كان أول قفل يُنتج بكميات كبيرة، كما يُعدّ حالياً الأكثر أماناً والأكثر استخداماً للأبواب في العالم. ومع اتخاذ التقنية منحنىً تصاعدياً في القرن العشرين، وتطور طرائق التصنيع بموازاة استشراء عصر الآلات، شهدت الأقفال والمفاتيح تحسينات مطردة مع إنتاجها بدقة أكبر لجهة آلية عملها وتشذيبها وتعزيز خصائصها الأمنية على نحو قلَّص من احتمالات فتحها عُنوة. وشهد القرن الفائت ظهور العديد من الأقفال والمفاتيح متنوعة التقنيات، متعددة الاستخدامات، لا نهائية المزايا. فتم تطوير الأقفال الإلكترونية، التي تستخدم مفتاحاً لتشغيل دائرة كهربائية، كمفاتيح السيارات والطائرات، وهناك الأقفال الموقوتة، كنوع من الأقفال التوافقية، حيث تستخدم في خزائن المصارف والمؤسسات المالية، وهي ذات مزاليج إغلاق آلية تعمل بجهاز توقيت. وقد يكون من الصعب حصر أنواع المفاتيح والأقفال، التي تعكس كثرتها وبنيتها المعقدة نتيجة لتراكم الخبرة البشرية، هوس الإنسان بمفهوم الأمان، وهوسه الأكبر -بالمقابل- لسلب هذا الأمان. من مفتاح الباب الخشبي الضخم الشبيه بعتلة مدجّجة بالأوتاد إلى مفتاح البيت المعدني الصغير، فمفتاح تشغيل السيارة ومفتاح تشغيل الطائرة، إلى المفتاح الكهربائي، الذي يتحكم في سريان التيار الكهربائي في دائرة كهربائية، كمفتاح تشغيل المصابيح أو تشغيل الأجهزة الكهربائية، فمفتاح التحكم عن بعد ومفتاح «كرت» أو بطاقة بلاستيكية، يا له من بون شاسع بين مفتاح ومفتاح، حافل بالفروقات والتمايزات. بعد أن كان يتطلب الأمر شخصاً ذا بأس -أو عدة أنفار- لحمل المفاتيح، باتت مفاتيح البيت والمكتب والسيارة والريموت كونترول الخاص بفتح السيارة عن بعد، ومفاتيح أخرى تتدلى من سلسلة واحدة، تخشخش بخفة في اليد!

فنّ «سرقة الخزينة» في الشاشة.. لصوص الأقفال
على غرار الممنوع مرغوب، فإن «المقفول» يحفِّز الرغبة ?لفتحه، ويثير الشهية لافتضاض مكنوناته. في ثنيات التاريخ الواقعي والمُتخيَّل، أغوت الأبواب الموصدة اللصوص الذين ?لم يتورّعوا عن استنباط كافة الأساليب لـ «هتك» الأقفال ?وفك شِفرة الخزينة البنكية المعقدة أو حتى تفجيرها، إذا لزم الأمر. البدايةُ بدائية كانت، أو هكذا قدَّمتها بعض الأفلام في السينما العربية؛ فثقب الباب العريض، الذي نتلصّص منه على ما يدور خلف الباب، كان سهل الاقتحام، بصورة كاريكاتورية! إذ كان يكفي أن ندسّ ورقة تحت الباب، ثم بدبوس أو مشبك صغير ندفع المفتاح من الثقب في الجهة المقابلة فيسقط على الورقة، ومن ثم نسحب الورقة من تحت الباب إلينا ليصبح المفتاح بحوزتنا! إذ تضاءل حجم ثقب الباب ولم تعد العين ترى ما خلفه، اعتمد اللصوص تقنية بسيطة في فتح الباب، قوامها نسخ المفتاح، بعد طبعه على لوح من الصابون أو الشمع، وذلك منذ اختراع أول آلة لقص و«خراطة» المفاتيح في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1917م، أو ببساطة شديدة الاستعانة بأداة مدببة، كدبوس أو مبرد مستدق الرأس، للتلاعب بالنوابض أو تحريك المسننات داخل القفل لفتحه دون حاجة لمفتاح، في مشهد متكرر في السينما العالمية. والإثارة تتصاعد، على الأقل في السينما، بعدما شكَّل السطو على الخزائن المصرفية سيناريو متكرراً، مشحوناً بالإثارة التي تعلو معها ضربات القلوب، وهو ما يتوافق وتطور التقنيات الأمنية في صناعة الخزينة، في المصارف والكازينوهات والمتاحف. لعل المشهد الدارج في المخيلة السينمائية قيام أحدهم بالتنصت إلى صوت حركة القفل التوافقي، الذي يعمل بتوليفة رقمية، بالاعتماد على أذنه أو بالاستعانة بسماعة طبية لاقتناص حركة القفل إذ يصيب الرقم الصحيح مكانه المخصص في القرص المدرج، محدثاً صوت طقطقة لا تخطئها الأذن الخبيرة! ومع تطوير تقنية الأقفال التوافقية في الخزائن، لجأ اللصوص إلى خيار يائس عبر تفجير الخزينة، ثم في مرحلة لاحقة من لعبة «القط والفأر» بين اللصوص والقيِّمين على الخزائن، اعتمدت مصارف العالم الكبرى خزائن ذات أبواب مصفحة، مضادة لأقوى أنواع التفجيرات الأمر الذي عنى سعي اللصوص إلى البحث عن وسائل أكثر دهاءً للاحتيال عليها. من أشهر الأفلام العالمية التي صورت عملية الاستيلاء على المصارف أو الخزائن، بطريقة عمدت بعضها إلى «تبجيل» اللصوص، فِلم «غابة الإسفلت» (1950م)، والفِلم الفرنسي «ريفيفي» (1955م)، وسلسلة الأفلام الدنماركية «عصابة أولسن» (1968 - 1998م)، والفِلم الأمريكي «اللص» (1981م)، والجزء الأول من سلسلة أفلام الآكشن الأمريكية «الموت بصعوبة» (1988م)، وفِلم «قتل زو» (1994م)، وفِلم «حرارة» (1995م) وفِلم «الأشقاء نيوتن» (1998م)، و«أوشن 11» (2001م) وعشرات الأفلام التي تظهر حنكة اللص في مواجهة المؤسسة الأمنية! لكن الخيال التصويري يتخطى الواقع بكثير؛ ففي تنافس محموم بين الواقع الأمني والرواية السينمائية، يتحول «الجسد البشري» إلى مفتاح يقهر أكثر أنواع الأقفال غير القابلة للكسر أو التحطيم! في فِلم «المصيدة» (1999م)، تتمكن النجمة كاترين زيتا جونز، مستعينة برشاقة استثنائية، من الاحتيال على قفل قوامه شبكة أمنية متقاطعة من أشعة الليزر، عبر القفز فيما بين الأشعة، حيث تنجح في تجنب أي احتكاك معها قد يؤدي إلى إطلاق دوي صفارات الإنذار، وهو مشهد يتكرر في فِلم «أوشن 12» (2004م)، الجزء الثاني من «أوشن 11»، حين ينجح لص رشيق جداً، يجسِّد دوره النجم الفرنسي فينسنت كاسيل، في تخطِّي شبكة الإنذار الليزيرية، عبر أداء جمبازي بهلواني يصعب تصديقه! كأن بالسينما تعلنها حكمة في نهاية المطاف؛ وهي أن الأمان يصبح في خبر كان!

مفاتيح لا تشبه المفاتيح
إن المفتاح في منشئه هو الأداة التي تحرِّك وتدير وتشغِّل، وهو في المبتدأ الأساس الذي تعمل به الأشياء، لذا فإنه كفكرة يمكن قولبته في أكثر من مصطلح وفي أكثر من هيئة. وبالتالي، لا يتعيَّن أن يكون المفتاح -من حيث الشكل- هو المفتاح التقليدي إياه، بالهيكل المعدني ذي المقبض والطرف المسنّن أو المشرشر! فثمة مفاتيح لا تشبه المفاتيح، تقوم بمهمّة الفتح والتشغيل، أو قد تلعب دور الموجِّه والمحدِّد. فالموسيقى لها مفتاح، وهو مصطلح مجازي، لا أداة، يُستخدم للدلالة على الأساس الذي كتبت به مقطوعة موسيقية بعينها، كأن تُكتب مثلاً بالمفتاح C، وهو ما يعني أن مركز النغم فيها هو المقياس C، حيث يضم المفتاح الموسيقي نغمات المقياس وكل الأوتار التي تصوغ هذه النغمات. في الموسيقى أيضاً، تستخدم كلمة «مفاتيح» للإشارة إلى الأصابع الصغيرة، باللونين الأبيض والأسود، التي تَفتَح وتُغلِق فتحات الصوت الهوائية الموجودة على الآلات الموسيقية، مثل الكلارينيت. وهناك آلات كالبيانو والأرغن لها روافع تُسمّى مفاتيح، حيث يضغط العازف عليها لإخراج الصوت. تُعرف مفاتيح البيانو والأرغن وغيرهما من الآلات الموسيقية بالـ «كيبورد» Keyboard أي «لوحة المفاتيح». ونستخدم لوحة المفاتيح أيضاً في الكمبيوتر، وهي عبارة عن لوحة أو أداة لإدخال البيانات، مصممة على نمط الآلة الطابعة، بترتيب معيَّن من المفاتيح أو الأزرار، تحمل أحرف وأرقاماً ورموزاً، تعمل بمثابة رافعات ميكانيكية أو مفاتيح إلكترونية. ويحمل كل مفتاح على لوحة المفاتيح نقشاً لحرف أو رمز أو رقم، بحيث يتم إدخاله في الكمبيوتر من خلال الضغط عليه، أو الضغط على أكثر من مفتاح في الوقت نفسه. ولا يصح أن نغفل «مفتاحاً» توضيحياً حيوياً في الخرائط والرسوم البيانية يُطلق عليه «مفتاح الخريطة»، وهو عبارة عن مقياس يضم قائمة من الكلمات والتعبيرات والألوان، عادة ما يوجد في إطار صغير داخل الخريطة، بحيث يشرح معنى الرموز والإشارات الموجودة في الخريطة.

قلبي ومفتاحه
إن القلوبَ مستودعُ الأسرار ومُحتضنُ الهمس ومأوى العواطف الشجيّة. وقد لا يكون من الحكمة أن نفتح باب القلب لكل من هب ودبّ. علينا أن نوصد على نبض الفؤاد، نضنّ بفرحه كما نُغلق على حزنه، فلا نأتمن غير الحبيب على مفتاحه، ألم يُغنِّ فريد الأطرش: «قلبي ومفتاحه، دول ملك إيديك، ومساه وصباحه، يسألني عليك»؟ وثمة طقس عالمي لما يعرف بـ «أقفال المحبة»، كعادة مستحدثة ضمن بدع عالمية «شعبوية» -لا تنفع كما لا تضر- يقوم فيها الأحبة الشغوفون بتثبيت أقفال على سياج أو عمود أو جدار في سلسلة معدنية، كرمز للحبّ الأبدي، بحيث تُحفر أسماء الأحبّة أو الأحرف الأولى منها على القفل، ثم يُرمى المفتاح بعيداً، ويا حبذا في قاع نهر أو بحر لضمان ألا يستعيده أحد. بذلك، يُقفل على الحب إلى الأبد، ولا يتسنَّى لكائن من يكون أن يفتح القفل الموصد على القلوب. لا توجد مرجعية أكيدة لجهة أصل هذه البدعة، أو للجغرافيا الأم التي ولدتها قبل أن تستشري في جغرافيات متعددة، وإن كان يُعتقد على نطاق عريض أن هذا التقليد وُلد في الصين، حيث يُمكن لمح أقفال المحبة، من مختلف الأحجام والأشكال بنقوش وكتابات منمنمة، مثبتة في مواقع عدة على طول سور الصين العظيم، متراصّة بالآلاف في صفوف لا تنتهي من السلاسل الحديدية المتشابكة. وعادةً ما تشكِّل أبراج المراقبة الموزّعة في نقاط استراتيجية بعينها في سور الصين مواقع منتخبة لعقد الزيجات، حيث يتبادل العروسان نذور الزواج، أمام الأقرباء والأصدقاء، بينما يعلّقان قفلاً محكم الإغلاق في سلسلة الأقفال، ثم يقذفان المفتاح بعيداً على أمل أن يبقى حبهما ويعمّر، كما عمّر سور بلدهما الأعظم. ولقد انتشر تقليد أقفال الحب وراج في أماكن عدة في مختلف أنحاء العالم مثل مدن روما وفلورنسا وتورين في إيطاليا ومدينة بيكس في هنغاريا وريغا في لاتفيا، ومونتيفيديو في الأرغواي، وسيئول في كوريا الجنوبية وطوكيو في اليابان، وكولون بألمانيا، وكييف في أوكرانيا، وإشبيلية في إسبانيا، واستوكهولم في السويد وموسكو في روسيا وغيرها. الطريف أن تقليد أقفال المحبة، وإن كان يوحي بطقس موروث عتيق وخرافة غابرة، يُعد مستحدثاً جداً؛ ففي هنغاريا ذاعت هذه الأقفال في ثمانينيات القرن الماضي، أما في إيطاليا، فإن عمرها لا يزيد على سنوات أربع، في تمثيل عجيب للواقع إذ يُحاكي الأدب والفن. ذلك أن البدعة اختلقتها بنات أفكار الكاتب الإيطالي فيدريكو موتشيا في روايته الرومانسية «أريدك»، التي نشرت في العام 2006م والتي تحوَّلت إلى فِلم سينمائي في العام 2007م لقي نجاحاً شعبياً. فبحسب وقائع الحكاية/الفِلم، يحاول شاب أن يظفر بقلب فتاة، زاعماً أن هناك تقليداً يقوم فيه الحبيبان بموجبه بتثبيت قفل في سلسلة حول عمود إنارة على جسر بونتي ميليفيو القديم في روما، ثم يلقيان بمفتاح القفل في نهر التيبر ليظل قفلهما بمنأى عن أن يفتحه أحد، وبالتالي يظل الحب قائماً وصامداً إلى الأبد. ولقد عمل الفِلم على تأجيج حمى أقفال الحب لتصيب القاصي والداني، ابن البلد والسائح الوافد إلى مدينة الرومانسية، يتدفقون على الجسر بالعشرات يومياً، معلقِّين أقفالاً تحمل نقوش أسمائهم ورسومات لقلوبهم في سلاسل مثبتة حول أعمدة الجسر، حتى لم يعد ثمة عمود بلا سلاسل وأقفال، وقد فاض النهر بالمفاتيح وغصت بها الأسماك المسكينة التي تدفع ثمن تهور مجانين الحب، الأمر الذي دفع مسؤولو المدينة (حماية للجسر وأعمدته التاريخية من أن يلحقها تشوه أو ضرر وليس دفاعاً عن الحب) إلى نصب أعمدة من الفولاذ مخصصة رسمياً لأقفال الحب. وسرعان ما امتدت سلاسل الأقفال إلى مدن إيطالية أخرى.

متحف الأقفال
يظل لأقفال الأمس ومفاتيحها وهجها وصدى خشخشة المعدن البارد عبر التاريخ، فيثير ذكريات ينتفض معها عصب الروح. لهذه الذكريات مساحة حية في متاحف عالمية مختصة، لعل أشهرها متحف الأقفال في سيئول في كوريا الجنوبية، الذي يضم تشكيلة غنية من الأقفال وميداليات المفاتيح ومزاليج البوابات وسقّاطات الأبواب.
وتحظى الأقفال والمفاتيح بأهمية خاصة في كوريا، فالأقفال ليست مصمّمة لتكون أداة أمنية فقط، وإنما تنطوي على سمات جمالية بحيث يمكن استخدامها كزينة داخلية أو تحفة فنية. ومن خلال الجمع بين أشكال وأنماط رمزية، تحوّلت الأقفال إلى مظهر حيوي من مظاهر الثقافة الكورية عبر الأزمان. وغالباً ما شملت التصاميم المستخدمة في تزيين الأقفال وزخرفتها على موتيفات نباتية وحيوانية للتعبير عن آمال صاحبها وأمنياته للمستقبل. وإلى جانب الأقفال، يؤوي المتحف تشكيلة بالغة التنوع من ميداليات وعلاّقات المفاتيح، كإكسسوارات شخصية غنية بالنقوش، حيث تورثها الأمهات الكوريات لبناتهن لتذكيرهن بواجباتهن إزاء تدبير شؤون بيوتهن وأسرهن. وفي العديد من المناطق الكورية، كان إهداء حديثي الزواج ميداليات مفاتيح تتدلَّى منها قطع نقدية تذكارية هدية أثيرة، وكانت هذه الميداليات تُستخدم لتزيين الجدران أو الأثاث في بيت العروسين، لعلّها تكون مفتاحاً للسعادة والعَمار المديد الذي يسم أيامهما. وهناك أيضاً متحف أمريكا للأقفال الكائن في بلدة تيريفيل بولاية كونيكتيكت الأمريكية، حيث يضم ثماني قاعات عرض، تحتضن كل أنواع الأقفال والمفاتيح التي تغطي حقباً تاريخية عدة، من بينها قاعة مخصصة لأقفال خزائن البنوك وقاعة لـ «أقفال ييل»، التي صنعتها شركة ييل (نسبة إلى لينوس ييل الأب والابن) في الفترة الممتدة من 1860 وحتى 1950م، من بينها نموذج الاختراع الأصلي لـ «قفل الوتد/الريشة» الذي ابتكره لينوس ييل (الابن) عام 1865م، الذي يُعد أعظم اختراع في تاريخ صنع الأقفال.

في الحكايات والأدب
منذ الأزل، دخل المفتاح في التجربة البشرية من بوابة الواقع كما بوابة الخيال والحكايات، في معانٍ عديدة كشفت الرغبة الإنسانية المتحرّقة أبداً إلى كشف المستور وفضّ المغاليق، والوقوع على الغريب والغامض والآسر والمستجدّ والمثير والخطير. وطالما شكّلت المفاتيح مادة محفِّزة للخيال في التراث الحكائي العالمي، تفتح الصناديق الملغزة والحجرات السرية، وتفضّ الأحاجي المعقّدة، فتتكشَّف عن سرّ عظيم وقدر مبيّت يرتقي إلى درجة السحر أحياناً.
إن المفتاح هو الفتح والكشف، هو الجلاء والتبدي للعيان، هو الإقليد والإغْليق، وهو المغلاق ونقيض الإغلاق، هو مادي جداً كما أنه رمزي ودلالي. أو ليس «الصبر مفتاح الفرج»؟ هو رمز الانتقال من فضاء إلى فضاء، من عالم إلى آخر، ومن قناعة إلى أخرى. قد يقودنا إلى أفق طلق حر كما قد يوصد علينا زنازين الأسر؛ قد يُدخلنا حجرة مضاءة بالأمل، وقد يدفعنا إلى حجرة معتمة غارقة في ظلمات الوحشة؛ قد يفتح لنا صندوق عِلمٍ مغلق ومعرفة مبهمة، كما قد يشرع لنا صندوق «باندورا» المليء بالشرور! وباندورا في الأسطورة الإغريقية، هي المرأة التي أعطاها زيوس، ملك الملوك وحاكم جبل أوليمبوس، جرة كبيرة وأمرها بألا تفتحها مهما كانت المغريات، لكن فضول باندورا تخطى أوامر زيوس، وفي النهاية لم تستطع مقاومة غواية الأسرار المستكينة في الجرة، فما إن فتحتها حتى خرجت منها كل الشرور والأمراض والبلايا والرزايا التي لم يعرفها الإنسان. على أن الأساطير اليونانية بما تحمله من رمزية لم تشأ أن تكون النهاية مأساوية تماماً، ذلك أنه في قاع الجرّة كمن الأمل، الأمل بأن يتخطّى الإنسان ما يصيبه من بلوى وبلاء، وبالتالي قد لا يكون فتح الجرة/الصندوق بالأمر السيئ بالمطلق. قد لا يكون المفتاح الحكائي مفتاحاً بالمفهوم التقليدي، فـ «افتح يا سمسم» ليس مفتاحاً مصنوعاً من معدن وإنما مصبوبٌ من «كلمات»! في قصة «علي بابا والأربعين حرامي»، إحدى قصص «ألف ليلة وليلة» التي افتتن بها العالم، فإن مفتاح مغارة الكنز هي «افتح يا سمسم»، إنها الكلمات المفتاح الذي يقع عليه علي بابا البغدادي فتقوده إلى الكنز الذي يحتفظ به اللصوص في مغارتهم. يا له من مفتاح سحري، يوشك أن يقود علي بابا إلى التهلكة إذ اكتشف اللصوص أمره. لكن من جديد، نحتاج إلى امرأة مثل مرجانة، زوجة علي بابا، التي تكون «مفتاح» نجاة زوجها، فتنقذه من عاقبة وشاية جار حسود به! ونساء «ألف ليلة وليلة» قادرات، يتخطين الإغلاق حتى وإن أُقفل عليهن بسبعة أقفال. لعلنا نتذكر قصة العروس، التي يشهدها الملك شهريار في مستهل كتاب الحكايات، والتي اختطفها عفريت ليلة عرسها، ثم وضعها في علبة وجعل العلبة داخل الصندوق ورمى على الصندوق سبعة أقفال وجعلها في قاع البحر «العجاج المتلاطم بالأمواج». ومع ذلك، فإن العروس البهية استطاعت في غفلة من الجني أن تفعل الأفاعيل، في حكمة خَلُصتْ إليها حكايا الليالي وهي أن «المرأة منّا إذا أرادت أمراً لم يغلبها شيء»، كما جاء على لسان العروس حبيسة الصندوق. في الخيال الحكائي العالمي، نستعين بقصّة «القلعة التي وقفتْ على أعمدة ذهبية» للدلالة على قيمة المفتاح في صورته غير التقليدية؛ ففي الحكاية التي تندرج في الفولكلور السويدي تقوم قطة بتحويل نفسها إلى رغيف خبز في ثقب مفتاح قلعة عملاق، لتمنع العملاق من دخول قلعته. «افتحي الباب!» صرخ العملاق غاضباً، لكن القطة ظلت تقصّ له مغامراتها الكثيرة إلى أن طلعت الشمس وانهار العملاق. إذ تقطع حكايا المفاتيح قروناً من التداول البشري، فإن المغزى لا يغيب عن الأدب الراهن، المفتون بالأحاجي والألغاز، تماماً كما هو مفتون بالبحث عن «المفتاح» الذي يفضّ مغاليق الأسرار، ويقود إلى الكشف النهائي، أياً كانت عواقب هذا الكشف. قد يكون المفتاح بمثابة «الشفرة» التي تفك أحجية معقدة، كما هو الحال في رواية «شفرة دافنشي» (2003م) ذائعة الصيت للكاتب الأمريكي الشهير دان براون أو روايته الأحدث «الرمز المفقود»، التي نالت حظها من الترويج حتى قبل أن تصدر في سبتمبر (أيلول) الماضي تحت عنوان «مفتاح سليمان»، كعنوان تقصدّت الدعاية الإعلامية من ورائه وعْد القراء المنتظرين برواية ملغزة، تتخطى الإثارة التي توافرت في «شفرة دافنشي». ولا يبدو غريباً أن يقترن المفتاح بالقصص والروايات البوليسية، من ذلك روايتي «سبعة مفاتيح لبالدبيت» (1913م)، و»حارس المفاتيح» (1932م) للروائي والمسرحي الأمريكي إيرل دير بيغرز، علماً بأن «سبعة مفاتيح لبالدبيت» نُقلت إلى الشاشة الفضية في تسع نسخ سينمائية على الأقل، سبعة منها بالعنوان نفسه! كما اقترن المفتاح بالفانتازيا الروائية من خلال رواية «المفتاح» للكاتبة الأسترالية ماريان كيرلي ضمن ثلاثيتها الروائية المعروفة «حراس الزمن». على أنه من بين الروايات العالمية التي تناولت المفتاح كـ «تيمة» أدبية تتوسّم بوْحاً واستراقاً للمشاعر رواية «المفتاح» (1956م) للكاتب الياباني جونيشيرو تانيزاكي، حيث يكون مفتاح الدرج الذي يؤوي يوميات يدونها زوج محبط -يفترض أنها سرية- كشفاً للحياة، والأهم كشفاً للذات.

مفتاح الكعبة

يستأثر مفتاح الكعبة باهتمام فريد من نوعه في العالم الإسلامي. يوجد المفتاح «الرسمي» بيد سدنة بيت الله في مكة المكرمة، والسدنة هم المسؤولون عن شؤون الكعبة وكل ما يتعلق بها من فتحها وإغلاقها وتنظيفها وغسلها وكسوتها وإصلاح الكسوة واستقبال زوار البيت، حيث يتولى أمر المفتاح وشؤون السدانة آل الشيبي في السعودية، الذين ينتهي نسبهم إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة. وقد نقشت على المفتاح، المصنوع من النحاس والمطعم بالفضة، آيات من القرآن الكريم. ويعتقد، كما تفيد بعض السجلات، أن هناك 59 نسخة من مفاتيح الكعبة، 54 منها في متحف قصر توباكابي في أسطنبول بتركيا، واثنان ضمن مجموعة شخصية، ونسخة في متخف اللوفر بباريس وآخر في متحف الفنون الإسلامية في القاهرة.

«افتح يا سمسم» من البلاستيك
إذا كان مفتاح «ييل» قد أحدث ثورةً في صناعة المفاتيح، فإن المفتاح البلاستيكي المصمّم على هيئة بطاقة أو كرت من البلاستيك جاء بمثابة «افتح يا سمسم» عصرية، سحرية، تنشق على أثرها أعتى الأبواب و»المغارات» الموصدة. بالإنجليزية، يُشار إلى هذا المفتاح بـ «Keycard»، وهو ليس مفتاحاً بالمفهوم المتعارف عليه، وإنما عبارة عن بطاقة تشبه بطاقة الهوية، مسطحة، مستطيلة الشكل، تخزن معلومات رقمية تستخدم مع الأقفال الإلكترونية. ولقد بلغ من شيوع هذه البطاقة أن معظم فنادق العالم اليوم باتت تستخدمها في فتح غرف الضيوف. ولم يعد ثمة قلق من أن يقوم الضيف بالمغادرة دون أن يرجع المفتاح البلاستيكي؛ ذلك أنه بعملية كمبيوترية سهلة بالإمكان تغيير صيغة المعادلة الرقمية في القفل الإلكتروني للباب، واستخراج بطاقة بلاستيكية جديدة له في لحظات! وهناك العديد من أنواع البطاقات البلاستيكية التي تعمل كمفاتيح، من بينها البطاقة الآلية المثقبة، والبطاقة الممغنطة، أي المزوَّدة بشريط مغناطيسي، و«البطاقة الذكية» المزوَّدة برقاقة إلكترونية لقراءة وكتابة البيانات، حيث تعمل هذه البطاقات إما من خلال إدخالها في قفل خاص بها وسحبها في حركة سريعة، أو تعريضها لمجس أو مسبار لقراءة البيانات المدونة فيها والتعرف إلى صاحبها. وكان العالِم النرويجي المولد تور سورنيس أول من دشّن قفل البطاقة البلاستكية، تحت اسم «فينغ كارد» VingCard، مستخدماً في فتحه بطاقة بلاستيكية تعمل آلياً فيها 32 ثقباً. كان ذلك في العام 1975م، حيث لا تزال فنادق العالم تعتمد هذه البطاقة. ولقد أعطت الثقوب الـ 32 في المفتاح/البطاقة 4.2 مليار توليفة أو تركيبة مختلفة، وهو ما كان يساوي تعداد سكان العالم على كوكب الأرض في ذلك الوقت، الأمر الذي وفَّر لكل نزيل في الفندق بطاقته البلاستيكية الفريدة التي تتألف من 32 ثقباً بترتيب معين لكل منها. ولا يزال هذا النوع من المفاتيح البلاستيكية هو المعتمد في معظم فنادق العالم. وفي العامين 1992 – 1993م، ابتكر سورنيس القفل الإلكتروني الذي يعمل بالبطاقة البلاستيكية ذات الشريط الممغنط، التي تحمل بيانات «مشفرة». ويمكن تغيير بيانات البطاقة عبر تعديل ترتيب الجزئيات في الشريط المغناطيسي الخاص بها. وتلقى هذه البطاقة رواجاً عالمياً، من خلال استخدامها كهوية، تتيح لصاحبها دخول مؤسسة أو مرفق ما، كما تُستخدم في أجهزة الصراف الآلي، وفي تذاكر المواصلات في وسائط النقل العام في أجزاء عدة من العالم، كقطارات الأنفاق في بريطانيا.

مفاتيح وطن

لا يوجد مفتاح يثير شجناً ويستحثّ حنيناً كمفتاح البيت في فلسطين ما قبل نكبة عام 1948م، بالنسبة لمئات الآلاف من الفلسطينيين ممّن غادروا قراهم وبلداتهم كلاجئين. فقد ترك الفلسطيني وراءه البيت والأرض والوطن، وحمل معه مفتاح الدار، يعلقه حِرزاً على حوائط غربته القسرية أو يخبّئه في صندوق مقتنياته، مع أوراق «الطابو» الصفراء التي تؤكد ملكيّته لأرض نُهبت منه. وكلما رأى المفتاح، لمح فيه صورة وطن ينتظر عودة أبنائه، وبيوتاً لم تُسقَ كرومها وزيتوناتها منذ زمن. قد لا يورث أبناءه مالاً أو عقاراً، لكنه يأتمنهم على المفتاح؛ فالمفتاح توْقٌ مورَّث وباقٍ عبر الأجيال. لقد زخر الأدب الفلسطيني، بكل أشكاله، بالمفتاح كرمز، وتم استغلال دلالاته سردياً ونثرياً وشعرياً في إرساء «قماشة» تعبيرية تستقرئ الشرط الفلسطيني في الشتات، ذلك أن المفتاح يُلخّص الوطن المحتَضَن في تضاعيف الذاكرة ويختصر الأمل بالعودة. من أبرز الأدباء الفلسطينيين الذين تعاملوا مع المفتاح، كتيمة قابلة لأن يتماهى فيها الوجود الفلسطيني بالغ الخصوصية أو «الذاتية»، المبدع الراحل غسان كنفاني. في لوحة «الصغير يكتشف أن المفتاح يشبه الفأس» (1967م) المشهدية ضمن مجموعته القصصية «عن الرجال والبنادق»، يستعيد الراوي مفتاح بيت أبيه في القرية، قبل أن يتركها ليدرس في القدس، وكيف أن المفتاح -كما يتذكره- كان يشبه الفأس، وهو تشبيه ينطوي على مغزى خاص، ثم إن المفتاح، الذي لم يغادر حزام أبيه، كان «المفتاح» بـ «ال» التعريف التي لازمته ما أحالته من شيء إلى فكرة حية في أكثر من وجه وأكثر من معنى، بل كان مجرد ذكره ولفظه يشيع إحساساً بالدفء. لم يكن مجرد مفتاح، بل كان هو المفتاح الذي يعرفه الجميع، كائناً علماً، غير قابل للضياع: «فهو المفتاح الوحيد الذي لم يستطع الزمن أن يضيعه، لقد كان كل رجل في القرية، كل طفل، كل امرأة، يعرفون أن هذا المفتاح هو مفتاح دار جابر، بل كان ثمة أناس في القرى المجاورة يعرفون ذلك أيضاً، فإذا ما ضاع أو سقط يعود إلى الدار كأنما من تلقاء نفسه». راح البيت وظل المفتاح، تركه له أبوه الذي دافع عن الأرض ببسالة في مواجهة الاحتلال الصهيوني. لقد مر عشرون أياراً، أي منذ النكبة، وظل المفتاح معلقاً كلوحة في بيته في جغرافيا اللجوء، مثبتاً عرضياً بمسمارين. ظل الكاتب -الذي لم يعد طفلاً- حريصاً على أن يُلحق «ال» التعريف الدافئة بالمفتاح، مع أن مفتاحه لم يعد يذكره بفأس. لكن ابنه الصغير، ينتبه ذات يوم إلى أن المفتاح يشبه فأس، بعدما سقط أحد المسمارين اللذين يثبتانه على الحائط، ليتدلى جسد المفتاح طولياً، مستعيداً تاريخه البعيد، حين كان فأساً مهاباً ومعروفاً، في صدقة ليست صدفة، كأنه يستبشر بوعد قريب.

مفاتيح القدس
للقدس مكانةٌ غالية في القلب والتاريخ، ومفاتيح المدينة هي الأغلى ذلك أن من يملكها يملك المدينة، وقد تكون واقعة تسليم مفاتيح مدينة القدس للخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، هي الأشهر في التاريخ، كونها أرستْ ما قد يكون أول ميثاق تفاهم دولي من نوعه تحت ما عرف بـ «العهدة العمرية» يحكم شروط العلاقة بين الأمم والأديان. وكان المسلمون قد تمكنوا من فتح العديد من أجزاء بلاد الشام إثر معركة اليرموك عام 636 ميلادية، ودانت لهم مدن ودويلات، إلى أن بلغوا بيت المقدس في فلسطين، حيث خيّر أبو عبيدة بن الجراح، الذي كان يقود جيش المسلمين، أهل إيلياء، أي القدس، بين إحدى ثلاث: الإسلام أو الجزية أو القتال، فرضوا بالجزية، حيث اشترط بطريرك القدس صفرونيوس أن يسلِّم مفاتيح بيت المقدس إلى الخليفة بنفسه، فأتى عمر، رضي الله عنه، إلى القدس مسافراً يرافقه خادمه ومعهما ناقة واحدة، يركبها كل من الخليفة والخادم بالتناوب. حين بلغ عمر مشارف المدينة، صعد صفرونيوس وبطارقته إلى أسوار القدس وأبصروا الرجليْن القادميْن، دون أن يميزوا أيهما الخليفة وأيهما خادمه، إذ كان عمر، رضي الله عنه، يمسك بزمام الناقة ويخوض في الماء والوحل، فأدرك البطارقة حينئذ أن مدينتهم ستكون آمنة، ففتحوا أبواب القدس وسلَّموا مفاتيحها للخليفة الذي أبرم معهم «العهدة العمرية» التي منح بموجبها الأمان لأهل القدس؛ لأنفسهم وأموالهم ومعتقداتهم وما تمثله لهم. تجدر الإشارة إلى أن مسيحيي القدس يأتمنون حتى اليوم المسلمين على مفاتيح كنيسة القيامة، قبلة المسيحيين في مشارق الأرض ومغاربها، إذ تتولى عائلتان فلسطينيتان مسلمتان، هما عائلة نسيبة وعائلة جودة، حمل هذه المفاتيح، في تقليد متوارث منذ مئات السنين، حيث يقوم أبناء العائلتين بفتح الكنيسة وإغلاقها وحراستها وصيانتها. وتذكر بعض المراجع التاريخية أن الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أعطى مفتاح الكنيسة لعبدالله بن نسيبة المازنية، وهي عائلة عربية خزرجية من المدينة المنورة، بعدما تسلمه من البطريرك صفرنيوس، وذلك عام 638م، إضافة إلى مفاتيح القدس. وثمة مراجع أخرى تفيد بأن صلاح الدين الأيوبي عهد بمفتاح كنيسة القيامة إلى عائلة نسيبة حين دخلها محرراً عام 1187م، وذلك حين لاحظ وجود خلافات بين الطوائف المسيحية في المدينة حول شؤون الكنيسة، فارتأى أن يقوم المسلمون بدور توفيقي بينهم. ثم تقاسمت عائلة جودة مع عائلة نسيبة مهمة حمل المفتاح إبان الحكم العثماني.

المصدر: مجلة القافلة

الاثنين, سبتمبر 13, 2010 | بتاريخ , | تابع القراءة »

الأرشيف

رئيس التحرير:

ـ ..............

مسؤول التحرير

ـ .....................

فريق التحرير

ـ ...................

ـ ....................... ـ ....................

أحدث التعليقات

أحدث المواضيع